إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الخميس 26 شباط/فبراير 2026 بتحليل التطورات المتعلقة بالسلوك الأميركي تجاه الجمهورية الإسلامية وتنامي الحشد البحري وتوقعات الحرب ومتطلبات الردع والدفاع، كما اهتمت بتحليل خطاب ترامب الأخير أمام الكونغرس ومؤشراته السياسية على المستويين الداخلي والخارجي.
أميركا على حافة المستنقع
كتبت صحيفة وطن أمروز: "في الأيام الأخيرة، ومع تصاعد حدة خطاب الرئيس الأميركي ضدّ إيران، امتلأت وسائل الإعلام الغربية والإقليمية بتحذيرات من عواقب عمل عسكري أميركي محتمل ضدّ إيران على نطاق غير مسبوق. ويُظهر استعراض التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية الرئيسية، ووسائل الإعلام الإقليمية، وتحليلات مراكز الأبحاث، أنه خلافًا للصورة المبسطة التي تُصوّرها الأدبيات السياسية في واشنطن، فإن سيناريو الحرب مع إيران لا يُوصف بأنه عملية سريعة ومنخفضة التكلفة، بل هو عملية متعددة المراحل، محفوفة بالمخاطر، وغير مؤكدة؛ حدث قد يتجاوز حدود إيران ويُؤثر على منظومة الأمن بأكملها في الخليج وغرب آسيا.
وفقًا لسلسلة من التقارير التي نُشرت مؤخرًا في وسائل الإعلام الغربية والأميركية، بما في ذلك فايننشال تايمز، ونيويورك تايمز، وسي بي إس نيوز، وميدل إيست مونيتور، وأمريكان كونسيرفاتيف، وتقييمات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن الصورة التي تُرسم للخيار العسكري الأميركي ضدّ إيران هي صورة الدخول في أزمة متعددة الأوجه، محفوفة بالمخاطر، وربما خارجة عن السيطرة. وعلى الرغم من اختلاف توجهاتها السياسية والجغرافية، تتفق هذه الوسائل الإعلامية على تحليل مشترك: وهو أن العمل العسكري ضدّ إيران، خلافًا لتوقعات الولايات المتحدة، لن ينتهي على الأرجح بنزاع محدود يمكن السيطرة عليه، بل قد يُؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل الإقليمية والعسكرية والاقتصادية التي لا تستطيع واشنطن السيطرة عليها.
وإذا ما قمنا بتقسيم رؤية وسائل الإعلام الغربية البارزة ومراكز الأبحاث إلى أربعة محاور، فإن المحور الأول يُبرز القيود الحقيقية للقوة العسكرية الأميركية ضدّ إيران، وهو قيدٌ يُسلّم به حتّى في التقييمات الداخلية للمؤسسة الأمنية الأميركية. [...] أما المحور الثاني، المتمثل في تقارير وآراء الخبراء الدوليين، فيتناول نمط ردّ إيران؛ وهو نمط، بحسب تقييم وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، يجمع بين الردّ المباشر وحرب إقليمية غير متكافئة. [...] ويتناول المحور الثالث أيضًا العواقب الاقتصادية والإقليمية لحرب محتملة؛ حيث ترسم وسائل الإعلام صورة لأزمة تتجاوز ساحة المعركة العسكرية بالنسبة للأميركيين.[...] أما المحور الرابع، فيتمثل في الفجوة بين الخطاب السياسي في واشنطن والواقع على الأرض كما تصوره وسائل الإعلام.
[...] بدلًا من أن يكون العمل العسكري الأميركي ضدّ إيران وسيلة ضغط لإجبار طهران على التراجع، فإنه قد يُؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل المكلفة وغير المتوقعة؛ سلسلة تبدأ باستهداف السفن والقواعد الأميركية، وتُهدد البنية التحتية للطاقة الأميركية والغربية، والمصالح الاقتصادية في الخليج، بل وقد تُعرّض المصالح الشخصية والشبكات الاقتصادية المقربة من الرئيس الأميركي في المنطقة للخطر. لهذا السبب، تُحذر وسائل الإعلام الغربية الرئيسية من أن واشنطن على وشك اتّخاذ قرار ستكون تكلفته باهظة للغاية، أكثر بكثير مما يُشير إليه الخطاب التهديدي الصادر عن البيت الأبيض".
المقامرة بالنار في البيت الأبيض
كتبت صحيفة جوان: "كان خطاب دونالد ترامب أمام الكونغرس الأميركي أقرب إلى استعراض للقوة التفاوضية منه إلى خطة حرب، لكن التاريخ أثبت أن اللعب بالنار في منطقة تعتمد على شرايين الطاقة العالمية ليس فنّ تفاوض ولا استراتيجية مستدامة. السؤال الحقيقي ليس من يهدد بصوت أعلى، بل من يحسب التكاليف بدقة أكبر. السفن تأتي وتذهب، لكن الدول لا تخضع للتهديدات. خطاب دونالد ترامب أمام الكونغرس الأميركي بشأن إيران كان ظاهريًا مصحوبًا بتهديدات وخطابات نووية، لكنه حمل في طياته رسالة نفعية: "سأزيد الضغط لتحقيق مكاسب". هذا هو النمط المألوف الذي صاغه قبل سنوات في كتابه فنّ الصفقة: الضغط قبل الاتفاق.
مع ذلك، السياسة الخارجية ليست طاولة بوكر. في منطقة يمكن لأي تحرك عسكري فيها أن يهز الأسواق العالمية ويتحدى المعادلات الأمنية بشكل خطير، فإن أي خدعة، إن لم تُفهم جيدًا، قد تتحول إلى أزمة حقيقية. إن التهديد بعمل عسكري ضدّ إيران، حتّى لو كان بقصد تحقيق مكاسب، يواجه متغيرات خارجة عن سيطرة الخطاب. ردود فعل متسلسلة، وحسابات خاطئة، ودخول أطراف ثالثة.
على مدى العقود الأربعة الماضية، بنت إيران عقيدتها الردعية على مزيج من القوّة الدفاعية، والعمق الإقليمي، والقدرات غير المتكافئة. لا يعني هذا الواقع رغبة في الحرب، بل زيادة في تكلفة أي مغامرة. إن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل طرق الطاقة العالمية ليس أداة سياسية يومية، بل هو رادع يُظهر أن الأمن في الخليج لا يُحدد بشكل أحادي.
من جهة أخرى، تُعد الولايات المتحدة قوة ذات شبكة واسعة من الحلفاء، واقتصاد ضخم، وقوة عسكرية متفوقة. مع ذلك، أظهرت تجارب العراق وأفغانستان بوضوح أن التفوق العسكري المطلق لا يؤدي بالضرورة إلى إنجاز عسكري أو حتّى سياسي دائم. الحروب الحديثة لا تُسفر إلا عن عدد قليل من المنتصرين المطلقين، وغالبًا ما تُؤدي إلى تآكل الشرعية والموارد. حتّى الصراع المحدود قد يُؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وإثارة اضطرابات الأسواق، وتفاقم الانقسامات الداخلية في أميركا.
لكن الخطر الأكبر ليس الرغبة في الحرب، بل سوء الفهم. إذا اعتقدت واشنطن أن ممارسة أقصى الضغوط ستؤدي إلى الاستسلام، فسترد إيران حتماً برد يتناسب مع التهديد، ما يُنشئ حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل يصعب كسرها. تتطلب السياسة المسؤولة فهمًا متبادلًا للخطوط الحمراء، لا اختبارها.
بالنسبة لإيران، يُعد التماسك الداخلي أهم ركيزة في مواجهة الحرب النفسية. فالمجتمع الذي يُعزز الثقة المتبادلة بين الحكومة وشعبه أقل تأثرًا بالضجيج الإعلامي. الترابط الاجتماعي رصيد استراتيجي، قادر على تحويل الضغط الخارجي إلى فرصة لتعزيز التماسك الوطني، كلما تضاءلت الانقسامات الداخلية، قلّت فعالية أداة التهديد الخارجي".
الحصار الجيوسياسي لإيران بالأسطول الحربي
كتبت صحيفة مردم سالاري: "في ضوء التطورات الأخيرة في بيئة الأمن الإقليمي، وتزايد التحركات العسكرية الأميركية في الخليج وبحر عُمان والمناطق المحيطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، واستنادًا إلى تحليل توجهات السياسة الخارجية الأميركية، لا سيما في ظل تأثير آراء شخصيات مثل جيرارد كوشنر (مهندس ما يُسمى باتفاقيات أبراهام)، يمكن القول إن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط تتبع نموذج التأثير الذكي، والضغط المشترك، وإعادة تشكيل هندسة التحالفات الإقليمية. وقد أدت اتفاقيات تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية فعليًا إلى إنشاء حزام جيوسياسي متحالف مع واشنطن في جنوب وجنوب غرب إيران. ويؤكد التحليل الجيوسياسي للسيناريو المحتمل، إلى جانب الأدلة الميدانية (بما في ذلك تزايد زيارات المسؤولين الأميركيين للأسطول المتمركز في الخليج، وتعزيز الوجود البحري حول مضيق هرمز وبحر عُمان)، أن الولايات المتحدة قادرة على اتباع سيناريو الحصار المحيطي متعدد الطبقات ضمن إطار استراتيجية تدريجية. من منظور جيوسياسي، يتضمن هذا السيناريو العناصر التالية:
1. الحصار الجنوبي والبحري: السيطرة على شرايين تصدير الطاقة الإيرانية الحيوية عبر مضيق هرمز والمياه المفتوحة بهدف ممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي، وربما الاستيلاء على سفن النفط والسفن التجارية.
2. الحصار الغربي الجنوبي الغربي: الاعتماد على تحالفات إقليمية تتمحور حول الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية لخلق عمق عملياتي ضدّ إيران.
3. الضغط غير المباشر من الشرق والشمال: محاولات للحد من طرق الدعم اللوجستي والأسلحة المحتملة من الصين وروسيا من خلال السيطرة البحرية وفرض عقوبات ثانوية.
4. تضافر الضغط الخارجي وزعزعة الاستقرار الداخلي: تكثيف الضغط الاقتصادي مع استغلال الانقسامات الاجتماعية لإثارة اضطرابات مدنية وخلق تآكل داخلي.
5. هجمات متفرقة أو واسعة النطاق من قبل الكيان الصهيوني: التركيز على البنية التحتية النووية والدفاعية ومراكز القيادة، إلى جانب محاولات استهداف واغتيال كبار القادة الإيرانيين.
في مثل هذا السيناريو، ستلعب الولايات المتحدة دور المظلة الدفاعية متعددة الطبقات للكيان الصهيوني لمنع الصواريخ الإيرانية من ضرب أهداف حيوية. ونظرًا لطبيعة التهديد متعددة الأبعاد، ينبغي أن تكون الاستراتيجية الدفاعية متعددة الطبقات، وقائمة على الشبكات، ومستندة إلى الجغرافيا السياسية الفاعلة، وذلك من خلال:
- تعزيز الردع البحري غير المتكافئ.
- إنشاء ممرات استراتيجية بديلة.
- تعميق التعاون العسكري التقني مع القوى الحليفة.
- تحسين الدفاع الجوي والسيبراني متعدد الطبقات.
- إدارة المرونة الاجتماعية والاقتصادية.
- استراتيجية دبلوماسية إقليمية استباقية.
وتشير التطورات الحالية إلى أن البيئة الأمنية المحيطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية تنتقل إلى مرحلة تنافس جيوسياسي حاد. في ظل هذه الظروف، لن يكون الاعتماد على الردع التقليدي وحده كافيًا، بل يُعدّ تصميم استراتيجية دفاعية جيوسياسية شاملة تجمع بين القوّة الصلبة والقوة الذكية والمرونة الوطنية ضرورة حيوية".