اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

شهادة قائد الأمة الامام السيد علي الخامنئي
المقال التالي طهران: ضرباتنا أربكت واشنطن والكيان الصهيوني

مقالات

إلى أين تتجه الحرب
مقالات

إلى أين تتجه الحرب "الإسرائيلية" على لبنان؟

88

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

في لحظةٍ مشحونة بالتوتر والاحتمالات المفتوحة، عاد المشهد الجنوبي إلى الواجهة مع قيام حزب الله بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة، بعد نحو خمسة عشر شهراً من التزامه باتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب حرب الـ٦٦ يوماً عام ٢٠٢٤ بينما استمرت "اسرائيل" بالخروقات والاعتداءات والاغتيالات دون تمكّن الدبلوماسية الدولية من فعل أي شيء.

خطوةٌ أعادت خلط الأوراق، وطرحت أسئلة حادة حول مستقبل الجبهة الجنوبية، وحدود الاشتباك، وموقع الدولة اللبنانية في معادلة تتجاوزها أحياناً وتضعها في قلب العاصفة أحياناً أخرى.

من وقف النار إلى انهيار قواعد الاشتباك

على مدى الأشهر الماضية، ساد هدوءٌ شيطانيٌّ مليء بالخروقات "الإسرائيلية". فقد استمرت "إسرائيل" في تنفيذ ضرباتٍ وعمليات اغتيال داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى اعتداءات جوية وبرية متفرقة، في سياق ما تصفه بـمنع التموضع وإزالة التهديدات الاستباقية. في المقابل، التزم حزب الله باتفاق وقف إطلاق النار من جانب واحد .

غير أنّ إعلان "إسرائيل" بدء توغلٍ بري محدود في جنوب لبنان، مقروناً بإنذاراتٍ لإخلاء نحو ٨٠ قرية وبلدة حدودية، شكّل نقطة تحوّل ميدانية ونفسية. فهذه الخطوة تعني عملياً محاولة فرض واقعٍ أمني جديد، يقترب من فكرة المنطقة العازلة التي طالما سعت إليها "تل أبيب" منذ تكوينها، هذا المصطلح الذي دائمًا ما تستعمله "إسرائيل" مدعيةً أنها تريد حماية المستعمرات الشمالية بينما هي في الواقع تقوم باللعب على عامل الزمن وعامل الذاكرة بحيث بعد مرور عدة سنوات تصبح هذه المنطقة العازلة جزءًا لا يتجزأ من هذا الكيان الغاصب، وما الجولان سوى مثال صارخ على ذلك. وإذا عملت "إسرائيل" على  اقتطاع هذا الشريط الواقع جنوب نهر الليطاني بإخلاء ٨٠ قرية يعني ذلك أنها تبتلع ما بين ٢٥٠ إلى ٤٠٠ كلم٢ قد تمتد إلى مشارف البقاع الغربي.

الجغرافيا كعامل حاسم

البلدات التي طُلب إخلاؤها تمتد على طول الحافة الحدودية، من القطاعين الغربي والأوسط وصولاً إلى تخوم القطاع الشرقي. وهي مناطق ذات كثافة سكانية معتبرة، وتشكل عمقاً اجتماعياً وسياسياً للمقاومة، كما تمثل في الوقت نفسه خط تماس مباشرًا مع القوات "الإسرائيلية" المعادية، أي إخلاء واسع النطاق يهدد بخلق شريط شبه خالٍ، يسهل على الجيش "الإسرائيلي" التحرك فيه ميدانياً، ويمنحه أفضلية نارية واستخبارية.

في هذا السياق، بدا رد حزب الله محاولة لإعادة تثبيت قواعد اشتباك تقول إن التوغل البري سيقابَل برد مباشر، وإن فرض وقائع أحادية لن يمر من دون كلفة.

الدولة بين الضغط والانقسام

التطورات الميدانية ترافقت مع ارتباك داخلي واضح. فقد انسحب الجيش اللبناني من عدد من النقاط التي كان قد استحدثها بعد وقف إطلاق النار، ما عكس صعوبة التموضع بين نارين: نار الالتزامات الدولية ونار الوقائع الميدانية المتسارعة.

وزاد المشهد تعقيداً ما تردد عن مشادة حادة بين قائد الجيش ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في لحظة يفترض أنها تتطلب أعلى درجات التنسيق بين المؤسسات. وفي خضم ذلك، صدر قرار باعتبار حزب الله (خارجاً عن القانون)، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول أولويات السلطة: هل المطلوب ضبط الداخل أم ممارسة ضغط دبلوماسي وسياسي مكثف لوقف الاعتداءات والخروقات "الإسرائيلية" أولاً؟


أرى في هذا القرار أن التركيز على توصيف الحزب قانونياً في هذا التوقيت بخارج عن القانون يفاقم الانقسام الداخلي، ويضعف الجبهة الوطنية في مواجهة تصعيد خارجي. كما أرى أن هذه الخطوة من الحكومة اللبنانية هي تمهيد لمنع مشاركة حزب الله في الانتخابات النيابية في المستقبل. في المقابل، يعتبر البعض أن حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة هو المدخل الوحيد لحماية لبنان من الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع العلم أن قرار الحرب والسلم هو بيد شخص واحد هو نتنياهو.

بين الردع والانفجار

إطلاق الصواريخ على شمال فلسطين المحتلة يحمل رسائل متعددة: أولها أن معادلة الهدوء مقابل الخروقات لم تعد مقبولة، وثانيها أن أي توغل بري سيقابل بتوسيع نطاق النار. لكن في المقابل، فإن توسيع دائرة الرد قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، في ظل بيئة إقليمية مشتعلة وحسابات دولية معقدة.

لبنان اليوم يقف على حافة معادلة دقيقة: إما تثبيت قواعد اشتباك جديدة تردع التوغل وتحفظ الحد الأدنى من السيادة، أو الانزلاق إلى جولة حرب جديدة تتجاوز في كلفتها ما شهده الجنوب في حرب الـ٦٦ يوماً. وفي الحالتين، تبقى الحاجة ملحَّة إلى موقف رسمي موحد، يوازن بين حق الدفاع عن الأرض وضرورة حماية الداخل من الانقسام والانهيار.

إن ما يجري ليس مجرد تبادل نارٍ عابر، بل اختبار لإرادة الأطراف كافة: إسرائيل في سعيها لفرض واقع أمني جديد، وحزب الله في تمسكه بمعادلة الردع وحماية الأرض والشعب، والدولة اللبنانية في قدرتها على استعادة زمام القرار، وفي ظل شلل تام لقوات الطوارئ الدولية العاملة في لبنان، وبين هذه الإرادات المتقاطعة، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة على كلّ الاحتمالات.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة