مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
لم يكن الاتفاق الذي أعلنت عنه وزارة الخارجية الأميركية بعد أربع جولات من المفاوضات بين لبنان و"إسرائيل" مجرد وقف لإطلاق النار، بل كان محاولة لرسم واقع سياسي وأمني جديد في لبنان تحت عنوان إنهاء الحرب. إلا أن ما جرى خلال الساعات اللاحقة كشف هشاشة هذا المسار وسرعة انهياره أمام الاعتراضات الداخلية، ليعود ملف التفاوض إلى نقطة الصفر، وتتبدل موازين القوى السياسية التي حكمت المرحلة السابقة.
اتفاق يطلب من لبنان كل شيء... ولا يمنحه شيئًا
عند قراءة البنود التي أعلنتها واشنطن، يتبين أن جوهر الاتفاق كان قائمًا على التزامات لبنانية شبه كاملة. فوقف إطلاق النار كان مشروطًا بوقف حزب الله عملياته بالكامل، وانسحاب عناصره من جنوب الليطاني، وإنشاء مناطق يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية مع استبعاد أي قوة غير تابعة للدولة، على أن تستكمل لاحقًا مفاوضات سياسية وأمنية مباشرة لمعالجة الملفات العالقة.
لكن السؤال المطروح حاليًا بسيط: ماذا حصل لبنان في المقابل؟
لا انسحاب "إسرائيلي" فوري من الأراضي المحتلة، ولا ضمانات بوقف الخروقات والاغتيالات، ولا التزام بإعادة الإعمار، ولا اعتراف بأي حق لبناني إضافي. أما "إسرائيل" فكانت مطالبة عمليًا بالاستفادة من النتائج الأمنية والسياسية للاتفاق، فيما يتحمل لبنان وحده كلفة التنفيذ.
لهذا السبب بدا الاتفاق أقرب إلى وثيقة إذعان منه إلى تسوية متوازنة بين طرفين متحاربين.
رفض حزب الله... وسقوط المشروع الأميركي
جاء رفض الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم سريعًا وحاسمًا، ما أدى إلى نسف الأساس الذي قام عليه الاتفاق. ولم تمض ساعات حتى أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو أن لا جدوى من عرض الاتفاق على المجلس الوزاري الأمني المصغر طالما أن حزب الله رفضه.
وهكذا انتقل المشهد من الحديث عن "فرصة تاريخية للسلام" إلى عودة الحرب والمواجهة المفتوحة خلال ساعات قليلة فقط.
بري يستعيد الملف
في خضم هذا التحول، برز موقف رئيس مجلس النواب دولة الرئيس نبيه بري الذي طرح شروطًا مختلفة لوقف إطلاق النار، ترتكز على التزامن بين أي خطوات أمنية داخلية وبين انسحاب "إسرائيلي" فعلي، وإنهاء الاحتلال والاعتداءات، ووقف إطلاق النار في كل لبنان برًا وبحرًا وجوًا.
سياسيًا، بدا الأمر وكأنه استعادة واضحة لملف التفاوض الذي كان قد انتقل خلال الأسابيع الماضية إلى دائرة الرئاسة الأولى والقنوات التي اعتمدتها واشنطن. فبري، الذي قاد طوال السنوات الماضية معظم قنوات التفاوض غير المباشر مع "إسرائيل"، عاد ليضع نفسه مجددًا في موقع المرجعية الأساسية لهذا الملف.
وبذلك لم يسقط الاتفاق فقط، بل تبدلت أيضًا الجهة التي تمسك بمفاتيح التفاوض.
مقابلة جوزاف عون: تصعيد غير مسبوق
في المقابل، جاءت مقابلة فخامة رئيس الجمهورية مع CNN لتشكل حدثًا سياسيًا بحد ذاته.
فالرئيس اللبناني وجه انتقادات غير مسبوقة إلى إيران، متهمًا إياها باستخدام لبنان كورقة تفاوض مع الولايات المتحدة، كما رد مباشرة على الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بقوله إن اللبنانيين ليسوا ملكًا لأي جهة سياسية، وإن الشعب اللبناني سئم الحروب المتكررة.
هذه التصريحات لم تكن مجرد موقف إعلامي، بل عكست تموضعًا سياسيًا جديدًا للرئاسة في قلب الصراع الدائر حول مستقبل لبنان ودوره في المواجهة الإقليمية.
لكن المفارقة أن هذه المواقف تزامنت مع سقوط الاتفاق الذي كانت واشنطن تراهن عليه، ما جعل الرئاسة تبدو وكأنها تدافع عن مسار تفاوضي فقد مقومات استمراره على الأرض.
لماذا سقط الاتفاق؟
لأن أي اتفاق لا يقوم على الحد الأدنى من التوازن محكوم بالفشل.
فاللبناني الذي تابع تفاصيل المشروع الأميركي رأى أن المطلوب منه التخلي عن أوراق القوة كافة من دون الحصول على أي مقابل ملموس. ورأى أن السيادة اللبنانية مطلوبة فقط عندما يتعلق الأمر بسلاح حزب الله، لكنها تغيب عندما يتعلق الأمر بالاحتلال "الإسرائيلي" أو بالغارات اليومية أو بحقوق لبنان الوطنية.
ومن هنا جاءت المعارضة الواسعة للاتفاق في أوساط سياسية وشعبية مختلفة، ليس بالضرورة دفاعًا عن حزب الله، بل رفضًا لفكرة أن يتحول وقف الحرب إلى أداة لفرض شروط المنتصر على بلد لا يزال يتعرض للاعتداءات.
ما بعد الاتفاق
اليوم عاد الملف إلى نقطة البداية.
الولايات المتحدة فقدت مبادرتها الأولى.
"إسرائيل" عادت إلى منطق القوة العسكرية.
حزب الله أكد رفضه للشروط المطروحة، ويستمر بالمقاومة وبتكبيد العدو خسائر يومية بالأرواح والمعدات.
نبيه بري عاد ممسكًا بخيوط التفاوض.
وجوزاف عون اختار مواجهة سياسية مفتوحة مع إيران وحزب الله.
أما لبنان، فوجد نفسه مرة جديدة بين مشروعين متناقضين: مشروع يريد إنهاء الحرب بأي ثمن ولو كان الثمن تنازلات سيادية واسعة، ومشروع يرفض وقف الحرب إلا وفق معادلة تضمن حقوق لبنان وتفرض على "إسرائيل" التزامات موازية.
وبين المشروعين، يبدو أن معركة التفاوض الحقيقية لم تبدأ بعد.