اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إليوت أبرامز يروج لنقل القواعد الأميركية من الخليج إلى "إسرائيل"

مقالات

مأزق الردع الأميركي في مضيق هرمز
🎧 إستمع للمقال
مقالات

مأزق الردع الأميركي في مضيق هرمز

93

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتماد معادلة تقوم على قصف جسر أو محطة كهرباء، بما في ذلك أهداف تقع في محيط طهران أو داخلها، مقابل كل ناقلة تتعرض للاستهداف، مجرد تهديد عسكري إضافي في سياق المواجهة المفتوحة مع إيران. فقد مثّل هذا الإعلان، في آن واحد، محطة كاشفة لما راكمته الحرب من نتائج خلال المرحلة السابقة، ومؤشرًا إلى انتقال واشنطن نحو مستوى جديد من التصعيد، بعدما باتت الأدوات المستخدمة حتى الآن عاجزة عن تحقيق الأهداف السياسية والأمنية التي وضعتها الإدارة الأميركية لنفسها.

تكمن الدلالة الأولى لهذا التحول في أن الجيش الأميركي لم ينجح في توفير مستوى من الأمن يسمح بإعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها في مضيق هرمز. فالمعيار الفعلي للنجاح لا يتمثل في عدد السفن الحربية المنتشرة، ولا في كثافة الضربات الجوية، بل في قدرة واشنطن على إقناع شركات الشحن الكبرى بإرسال ناقلاتها عبر المضيق، وفي استعداد شركات التأمين لتغطية هذه الرحلات من دون فرض كلفة تعجيزية. وما دام هذا الشرط غير متحقق، فإن التفوق العسكري الأميركي لا يترجم إلى سيطرة عملية على الممر البحري، ولا إلى استعادة كاملة لحرية الملاحة. ومن هنا، يصبح استمرار التردد التجاري والتأميني دليلًا على أن معادلة الردع لا تزال لمصلحة إيران.

أما الدلالة الثانية، فتتصل بطبيعة الرهان الأميركي الجديد. فإعلان ترامب يعكس انتقالًا من محاولة حماية السفن وفرض المرور بالقوة، إلى محاولة معاقبة إيران على كل عملية استهداف، بهدف إنتاج كلفة داخلية مباشرة تدفع صانع القرار الإيراني إلى الامتناع عن اعتراض السفن التي تخالف توجيهاته أو تسلك المسار الجنوبي. وبكلام آخر، تحاول واشنطن تحويل المعركة من صراع على أمن الملاحة إلى معادلة ردع متبادل، قوامها أن أي ضغط إيراني على حركة النقل البحري سيقابله تدمير للبنية التحتية الإيرانية.

غير أن نجاح هذه المعادلة يفترض أن ترتدع إيران عن استهداف السفن المخالفة أو عدم الرد على الضربات الأميركية، وهو أمر مستبعد حتى الآن. بل قد تدفع الضربات الواسعة طهران إلى توسيع دائرة ردودها، بدلًا من حملها على الانكفاء.

ويكشف التصعيد أيضًا أن المسار التفاوضي الموازي للقتال لم يحقق النتائج المرجوة. فالمفاوضات لم تفضِ إلى تفاهم سياسي قادر على وقف الحرب، كما لم تنجح الضغوط العسكرية في تطويع القرار الإيراني أو دفعه إلى قبول الشروط الأميركية. وهكذا تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام فجوة متزايدة بين الأداة والهدف: الضربات تستمر، لكن الموقف الإيراني لا يتراجع، والتهديدات تتصاعد، فيما تبقى الملاحة مضطربة، والأسواق تحت الضغط.

في هذا السياق، وجد ترامب نفسه أمام ثلاثة خيارات رئيسية. الأول هو التراجع عن النهج التصعيدي والقبول بتسوية ما، وهو خيار ينطوي على اعتراف ضمني بفشل الرهان العسكري، ويكرّس هزيمة سياسية للرئيس الأميركي، كما قد يضعف مكانة الولايات المتحدة الإقليمية، ويعزز صورة إيران بوصفها قوة قادرة على فرض قيود على الحركة الأميركية والتأثير في التوازنات الإقليمية.

الخيار الثاني هو الاستمرار في المستوى القائم من المواجهة، بما يعني إدارة حرب استنزاف مفتوحة من دون حسم، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة، وتآكل المخزون النفطي الاستراتيجي، وزيادة الضغوط الاقتصادية داخليًا وعالميًا. أما الخيار الثالث فهو الارتقاء إلى مستوى أعلى من الضربات، وهو المسار الذي بدأ يتبلور في إعلان ترامب الأخير.

غير أن هذا الخيار، على الرغم من ظهوره وسيلةً لاستعادة المبادرة، يحمل مخاطر مضاعفة؛ فاستهداف الجسور ومحطات الكهرباء، ولا سيما قرب طهران، قد يوسع بنك الأهداف الإيراني، ويمنح طهران مبررًا للرد على منشآت أميركية أو حليفة أكثر حساسية. كما أن توسيع الحرب إلى البنية التحتية قد يرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية، ويزيد صعوبة العودة إلى التفاوض، ويحوّل التصعيد من أداة ضغط محسوبة إلى مسار يصعب احتواؤه أو التحكم بنتائجه.

من هنا، يمكن فهم إعلان ترامب بوصفه محاولة لفرض لحظة اختبار على القيادة الإيرانية: إما التراجع والارتداع، وإما تحمّل تبعات انتقال الولايات المتحدة إلى نمط أكثر تدميرًا. إلا أن الردود الإيرانية السريعة، الصادرة عن كبار المسؤولين، أعادت المعضلة إلى الجانب الأميركي، إذ أكدت أن طهران بدورها تملك أدوات تصعيد، وأنها لا ترى نفسها الطرف الوحيد المطالب بتغيير سلوكه. وبذلك دخل الطرفان في معادلة يتبادل فيها كل منهما تحميل الآخر مسؤولية الخطوة التالية.

يشير تقدير الموقف إلى أن إعلان ترامب لا يعبر عن ثقة كاملة بجدوى التصعيد، بقدر ما يعكس ضيق الخيارات المتاحة. فالولايات المتحدة لم تحقق بعد السيطرة العملية على المضيق، ولم تنتج المفاوضات تسوية، ولم تؤدِ الضربات السابقة إلى ردع إيران. لذلك تحاول الإدارة الأميركية رفع مستوى التهديد أملًا في تغيير حسابات الخصم من دون الانزلاق إلى حرب أشمل. لكن المشكلة أن إيران قد تفسر هذا التصعيد بوصفه دليلًا على فاعلية الضغط الذي تمارسه، لا سببًا للتراجع عنه.

الخلاصة أن المواجهة دخلت مرحلة أكثر خطورة، لأن كل طرف بات يختبر قدرة الآخر على تحمّل الكلفة. واشنطن تراهن على هشاشة البنية التحتية والضغط الاقتصادي الداخلي، فيما تراهن طهران على إدخال اليأس في قلوب أعدائها من خلال الصمود والتصميم، وأيضًا على حساسية أسواق الطاقة، واضطراب الملاحة، وضعف قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب طويلة ومكلفة. وبين الرهانين، تتقلص مساحة التسوية، ويتزايد احتمال أن يتحول التصعيد المحسوب إلى سلسلة ردود متبادلة تتجاوز قدرة الطرفين على الضبط. وعليه، فإن نجاح أي طرف لن يُقاس بحجم الضربات التي ينفذها، بل بقدرته على تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.

الكلمات المفتاحية
مشاركة