اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي من منارة الحريات إلى ملاحقة الصحافيين.. أي لبنان يُراد؟

مقالات

المناطق التجريبية .. هل هي بداية استعادة السيادة أم تكريسٌ لوظيفة أمنية تخدم إسرائيل؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

المناطق التجريبية .. هل هي بداية استعادة السيادة أم تكريسٌ لوظيفة أمنية تخدم إسرائيل؟

187

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

يعود ملف الجنوب اللبناني إلى واجهة المشهد السياسي والأمني مع الحديث عن بدء انتشار الجيش اللبناني في ثلاث مناطق وُصفت بأنها (تجريبية)، بالتزامن مع زيارة رئيس الجمهورية إلى الولايات المتحدة الأميركية. وقد فتح هذا التزامن باب التساؤلات حول ما إذا كانت الخطوة تمثل بداية مسار يؤدي إلى انسحاب الجيش "الإسرائيلي" من الأراضي اللبنانية المحتلة، أم أنها مجرد مرحلة جديدة من إدارة الأزمة، هدفها منح "إسرائيل" مزيداً من الوقت، وتحويل الجيش اللبناني إلى أداة لتنفيذ متطلبات أمنية لا علاقة لها باستعادة السيادة.

في الظاهر، تبدو الفكرة بسيطة: ينتشر الجيش اللبناني في ثلاث مناطق، ويثبت قدرته على الإمساك بالأرض، فتنسحب "إسرائيل" تدريجياً من الجنوب. إلا أن التدقيق في الوقائع الميدانية والسياسية يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.

أول هذه الأسئلة: لماذا اختيرت مناطق لم تحتلها "إسرائيل" أصلاً؟

فالمنطق العسكري يقول، إن أي انتشار يُفترض أن يبدأ في المناطق التي يحتلها العدو، بحيث يكون الانتشار نتيجة مباشرة للانسحاب "الإسرائيلي". أما عندما يكون الانتشار في مناطق لم تحتلها قوات العدو "الإسرائيلي" أساساً، فإن ذلك يطرح احتمالاً آخر، وهو أن يكون الهدف اختبار آلية أمنية جديدة، لا تحرير أرض محتلة.

فإذا كانت "إسرائيل" لم تحتل هذه المناطق خلال الحرب، فما الذي ستقدمه مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها؟ وما الثمن الذي ستدفعه؟

حتى الآن، لا يبدو أن "إسرائيل" قدمت أي التزام واضح بالانسحاب من التلال الخمس التي لا تزال تحتلها، ولا من النقاط الحدودية التي تواصل السيطرة عليها، كما أنها لم توقف خروقاتها الجوية والبرية، ولم تُبدِ استعداداً لتغيير قواعد الاشتباك التي فرضتها بالقوة منذ انتهاء الحرب.

ومن هنا، يصبح الربط بين الانتشار وبين الانسحاب "الإسرائيلي" محل شك مشروع.

التوقيت يزيد هذه الشكوك.

فالحديث عن المناطق التجريبية جاء قبيل زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، وهي زيارة يُتوقع أن يكون الملف الأمني في الجنوب أحد أبرز عناوينها. ومن الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة إلى إظهار أن هناك تقدماً في تنفيذ الترتيبات الأمنية، بما يسمح بتقديم إنجاز سياسي، حتى وإن كان الإنجاز شكلياً أكثر منه فعلياً.

لكن السؤال الأخطر يتعلق بطبيعة المهمة التي سيُطلب من الجيش اللبناني تنفيذها. فإذا كان المطلوب مجرد انتشار عسكري طبيعي، فإن الجيش يقوم بهذه المهمة منذ سنوات في مختلف المناطق اللبنانية. أما إذا كان المطلوب هو تنفيذ عمليات تفتيش دقيقة داخل القرى، والمنازل، والمزارع، والوديان، بحثاً عن أسلحة أو بنى عسكرية، فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً.

هنا تبدأ الإشكالية. كيف سيعرف الجيش اللبناني أي منزل يجب تفتيشه؟

هل سيقوم بتفتيش كل منزل في القرى الجنوبية؟

هذا أمر يكاد يكون مستحيلاً عملياً، فضلاً عن أنه يخلق توتراً دائماً بين الجيش والأهالي. أم أن هناك لوائح محددة ستُسلَّم إليه؟ ومن سيعد هذه اللوائح؟

إذا كانت "إسرائيل" هي التي تقدم الإحداثيات والمعلومات الاستخبارية، فإن الجيش اللبناني يجد نفسه، شاء أم أبى، ينفذ عمليات تستند إلى بنك أهداف "إسرائيلي"، وليس إلى معلومات جمعها بنفسه ضمن إطار القانون اللبناني.

وهنا تنتقل وظيفة الجيش من حماية الحدود والسيادة إلى أداء دور يشبه دور الضابطة العدلية المنفذة لطلبات أمنية مصدرها العدو.

ولا يتعلق الأمر فقط بمسألة السيادة، بل أيضاً بطبيعة العلاقة بين الجيش وبيئته الوطنية.

فالجيش اللبناني نجح عبر عقود في الحفاظ على صورته بوصفه مؤسسة جامعة، تقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وتؤدي واجباتها وفق القانون اللبناني وحده.
أما إذا أصبح السكان يشعرون بأن الجيش يداهم المنازل استناداً إلى معلومات "إسرائيلية"، فإن هذه الصورة ستكون أمام اختبار شديد الحساسية، بما قد ينعكس على الثقة المتبادلة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المحلي.

ومن الناحية العسكرية، فإن أي تفتيش فعال يحتاج إلى معلومات دقيقة ومحدثة باستمرار. وهذا يعني عملياً وجود تعاون استخباري غير مباشر، أو على الأقل اعتماد على معلومات يوفرها طرف خارجي. وفي هذه الحالة، تصبح "إسرائيل" صاحبة المبادرة، فيما يتحول الجيش اللبناني إلى منفذ ميداني.

والأخطر من ذلك أن "إسرائيل" تستطيع، في أي وقت، الادعاء بأن الجيش لم ينفذ المهمة كما تريد، فتستخدم هذا الادعاء ذريعة لمواصلة احتلالها، أو لتنفيذ غارات جديدة، بحجة أن لبنان لم يلتزم بما هو مطلوب منه.

وهكذا تتحول (المناطق التجريبية) إلى أداة دائمة للابتزاز السياسي والعسكري.

فإذا نجحت التجربة، قد تطالب "إسرائيل" بتوسيعها إلى مناطق أخرى مع شروط إضافية. وإذا فشلت، ستعتبر ذلك دليلاً على أن الظروف الأمنية لا تسمح بالانسحاب. وفي الحالتين، يبقى الاحتلال قائماً.

إن التجارب السابقة في الصراع العربي "الإسرائيلي" تدعو إلى الحذر. فـ"إسرائيل" اعتادت استخدام الترتيبات الأمنية المؤقتة وسيلةً لإدارة الاحتلال لا لإنهائه، وربط أي انسحاب بشروط متجددة تجعل تنفيذها شبه مستحيل، بحيث يبقى الانسحاب مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.

لذلك، فإن نجاح أي انتشار للجيش اللبناني يجب ألا يُقاس بعدد الآليات أو الجنود الذين يدخلون إلى القرى، بل بسؤال واحد واضح: هل سيقابله انسحاب "إسرائيلي" كامل، ضمن جدول زمني معلن وملزم؟

إذا كان الجواب نعم، فإن الانتشار يصبح خطوة في طريق استعادة السيادة.

أما إذا كان الجواب لا، فإن ما يجري لن يكون سوى إعادة توزيع للأدوار، حيث يتحمل الجيش اللبناني أعباء أمنية إضافية، فيما يحتفظ الجيش "الإسرائيلي" بحرية الحركة والاحتلال وحق الاعتراض وحق استخدام القوة متى شاء.

إن حماية السيادة لا تتحقق عندما ينتشر الجيش في مناطق لم تكن محتلة أصلاً، بل عندما يُجبر الاحتلال على الانسحاب من كل شبر من الأراضي اللبنانية، وتتوقف الاعتداءات اليومية، وتعود الدولة وحدها صاحبة القرار على كامل أراضيها.

أما أي ترتيبات لا تتضمن التزاماً "إسرائيلياً" واضحاً ومسبقاً بالانسحاب الكامل، فإنها ستبقى عرضة لأن تُقرأ كخطوة لإدارة الأزمة لا لحلها، وكآلية تمنح إسرائيل مزيداً من الوقت، فيما يتحول النقاش من إنهاء الاحتلال إلى كيفية إدارة الواقع الذي فرضه الاحتلال.

وبين استعادة السيادة وتحويل الجيش اللبناني إلى منفذ لترتيبات أمنية يحددها الآخرون، يكمن الفارق بين مشروع وطني يحرر الأرض، ومقاربة قد تُدخل لبنان في مرحلة جديدة، يصبح فيها الاحتلال أقل ظهوراً، لكنه أكثر قدرة على التأثير في القرار الأمني اللبناني.

الكلمات المفتاحية
مشاركة