خاص العهد
من منارة الحريات إلى ملاحقة الصحافيين.. أي لبنان يُراد؟
لبنان بين حرية الرأي والدولة البوليسية.. هل بات القانون أداة لتكميم الأفواه؟
بات التعبير عن الرأي في بلدٍ طالما تغنّى بالحريات جريمةً يعاقب عليها القانون، وأصبحت حرية التعبير أسيرة السجون. ولبنان الذي شكّل لعقودٍ أنموذجًا لدول الجوار في الديمقراطية، يبدو اليوم، أقرب إلى الأنظمة الديكتاتورية، حيث يغدو إبداء الرأي جرمًا يعرّض صاحبه للملاحقة. وعند النظر إلى هذا المشهد من زاوية أوسع، يبرز سؤال أساس: إلى أي اتجاه تقود هذه السياسات، ولصالح من تصب نتائجها؟ إذ يرى منتقدون أن هذا المسار يخدم دول الوصاية على لبنان، ويصب في نهاية المطاف في خدمة العدو "الإسرائيلي".
وفي سياق ما تعتمده السلطة من نهجٍ متصاعدٍ لتكميم الأفواه، برزت قضية الزميل الصحافي حسن عليق، بعدما طلب المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي توقيفه، على خلفية منشورات نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد فيها النظام السعودي بسبب الحصار المستمر على اليمن.
وفي حديث لموقع "العهد" الإخباري، رأى عليق أن القاضي لم يلتزم الأصول القانونية الواجب اتباعها لإصدار مذكرة الإحضار، موضحًا أنه أصدر قرار الاستدعاء، وعندما أبلغه بأنه لا يمثل إلا أمام محكمة المطبوعات، لم ينتظر، بل أصدر فورًا قرارًا بإحضاره.
وأوضح عليق، أن ما جرى يتجاوز حدود قضية شخصية، مبيِّنًا أن هناك محاولة لتحويل لبنان إلى دولة بوليسية، وأن ثمة توجهًا لاستخدام القانون وسيلة لإسكات كل الأصوات المعترضة على السلطة. وأضاف أن التعامل مع قضيته انطلق من فرضية أن أحدًا لن يدافع عنه لأن الأمر يتعلق بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مؤكدًا أن القضية في جوهرها سياسية، وأن القرار الذي اتُخذ بحقه هو قرار سياسي، سواء أكان صادرًا عن رئيس الجمهورية جوزاف عون، أو عن رئيس الحكومة نواف سلام، أو عن سامي الغضبان الذي وصفه بأنه وكيل أو أحد أتباع يزيد بن فرحان في بيروت، أو حتى إذا كان صادرًا حصريًا عن القاضي أحمد رامي الحاج نفسه.
وبحسب عليق، فإن هذا القرار يأتي في سياق سياسي مرتبط بما وصفه بهرولة السلطة اللبنانية نحو التطبيع مع العدو "الإسرائيلي" ونزع صفة العداء عنه.
وانطلاقًا من هذا التوصيف، حذّر عليق مما عدَّه مسارًا تصاعديًا لتقييد حرية التعبير، قائلًا إنه إذا كان انتقاد محمد بن سلمان ممنوعًا اليوم، فإن انتقاد بنيامين نتنياهو سيصبح ممنوعًا غدًا، وكذلك انتقاد جيش العدو "الإسرائيلي"، وإيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش...
وأضاف أن الأمور، وفق هذا المسار، قد تصل إلى مرحلة يصبح فيها الحديث عن الجرائم التي ارتكبتها "إسرائيل" في لبنان أمرًا محظورًا، مؤكدًا أن السلطة الحالية تمضي في هذا الاتجاه.
وأكد عليق، أن أصل القضية هو قرار سياسي أُلبس ثوبًا قانونيًا وحقوقيًا، موضحًا أن السلطة في لبنان قررت، خلال عام 2026، أن تتصرف ببساطة كدولة بوليسية.
وشدّد على أن ما يعنيه في هذه القضية هو مبدأ حرية الرأي والتعبير، سائلًا عن سبب الاستنسابية في تطبيق القانون، ومؤكدًا أن القرار، ما دام سياسيًا، فهو بطبيعته استنسابي. وأضاف أن السلطة في لبنان تتعامل مع شريحة محددة من اللبنانيين عبر أدواتها القضائية، ومن بينها القاضي أحمد رامي الحاج، مبيِّنًا أن المسؤولية لا تقتصر على رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو وزيري العدل والداخلية، بل تمتد، إلى ما وصفها بسلطة الوصاية الأميركية ـ السعودية ـ "الإسرائيلية" التي قال إنها تسعى إلى تحويل لبنان إلى مستعمرة "إسرائيلية"، وأن هذا المشروع لا يمكن أن يمر، وفق تقديره، إلا عبر تفكيك المقاومة، وقهر بيئتها، وقمع كلّ صوت يعترض على محاولات تحويل لبنان إلى مستعمرة "إسرائيلية"، مشيرًا إلى أن السلطة الحالية تستهدف هذه الفئة من اللبنانيين على وجه الخصوص.
وفي سياق انتقاداته، قال عليق، إن المشهد في لبنان، بات يقوم على مفارقات صارخة، إذ يمكن، وفق تعبيره، أن يمتلك شخص معملًا لتصنيع المخدرات وتنتشر له صور مع رموز في السلطة، أو أن يسرق مليارات الدولارات ويبدّد مدخرات اللبنانيين كما حصل مع رياض سلامة ثم يخرج من السجن، كما يمكن، في عهد الرئيس جوزاف عون الذي كان قائدًا للجيش، أن يخرج من السجن أشخاص متهمون بقتل عناصر من الجيش اللبناني أو بتنفيذ عمليات إرهابية بحق مدنيين في لبنان وأوروبا ويتم تسليمهم إلى سلطة الجولاني، موضحًا أن كل ذلك يجري بصورة طبيعية بالنسبة إلى السلطة.
وختم عليق بالقول، إن السلطة الحالية، أُنشئت للإسهام في تهجير جزء من اللبنانيين، وملاحقة جزء آخر، وقمع شريحة منهم، لافتًا إلى أن وظيفتها الأساسية تتمثل في التمهيد، على المدى الطويل، للتطبيع مع العدو الصهيوني.
قرداحي: حرية الرأي والتعبير مصانة في الدستور اللبناني
إزاء هذه التطورات، أعلن الإعلامي ووزير الإعلام السابق جورج قرداحي تضامنه مع الزميل حسن عليق، مؤكدًا أهمية دور الإعلام الإلكتروني في عصرنا، ومشددًا على أن حرية الرأي والتعبير مصانة في الدستور اللبناني وفي القوانين التي ترعى مهنة الصحافة والإعلام. كما أوضح أن الصحافي، وفق القانون النافذ، يُحاكم بموجب أحكام قانون المطبوعات، وليس وفق أي قانون آخر.
وفي حديث لموقع "العهد" الإخباري، دعا قرداحي نقابتي الصحافة والمحررين إلى التدخل من أجل إعادة الأمور إلى نصابها القانوني السليم، بما ينسجم مع أحكام القانون المرعي الإجراء، مؤكدًا ضرورة صون الضمانات القانونية التي تكفل حرية العمل الصحافي وتحمي حق التعبير في لبنان.