اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي وزير الصحة: طالما هناك احتلال فهناك مقاومة

خاص العهد

‏من طالب إلى آخر.. مكتبات الإعارة تواجه غلاء الكتب المدرسية
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

‏من طالب إلى آخر.. مكتبات الإعارة تواجه غلاء الكتب المدرسية

74

‏مع كل عام دراسي، تعود كلفة التعليم لتطرق أبواب العائلات اللبنانية من جديد، من الأقساط المدرسية إلى الكتب والقرطاسية وبدلات النقل، في وقت باتت أبسط المستلزمات التعليمية تشكّل عبئًا يفوق قدرة كثير من الأسر على الاحتمال.

‏وفي مواجهة هذه الأعباء، لا تقتصر الحلول على المساعدات المباشرة، بل تتقدم مبادرات تقوم على التكافل وتبادل الموارد، وفي مقدّمها مكتبات إعارة الكتب المدرسية التي تحوّل الكتاب من سلعة تثقل كاهل الأسرة إلى أمانة تنتقل من طالب إلى آخر.

‏وفي بيروت، تتوسع هذه المبادرة عبر شبكة من المكتبات والمراكز التي تعمل على جمع الكتب وفرزها وإتاحتها أمام الطلاب، فيما لا يقتصر العمل على المراكز التابعة للتعبئة التربوية، بل تتكامل معه مبادرات فردية وأهلية، إلى جانب جهود الكشافة والهيئات النسائية والمعلمين والأهالي.

‏ويؤكد مسؤول التعبئة التربوية في بيروت أسامة ناصر الدين، في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أن عمل مكتبات الإعارة يتوسع عامًا بعد عام، موضحًا أنه خلال الأيام الأخيرة "افتتحت مكتبة في مجمع الإمام العسكري (ع) في الكفاءات، وفي منطقة الأوزاعي، وفي مجمع الإمام الباقر (ع) في أول حي السلم"، مؤكدًا أن المبادرة لم تعد محصورة في مكان واحد، بل باتت شبكة متكاملة تتوزع في المناطق وتستفيد من جهود جهات متعددة.

‏من مكتبة إلى شبكة تكافل

‏لا يرى ناصر الدين في مكتبات الإعارة مجرد أماكن لتوزيع الكتب، بل يعدّها جزءًا من منظومة أوسع من التكافل الاجتماعي. فالمبادرة، بحسبه، لا تتوقف عند الكتاب الذي يصل إلى الطالب، وإنما تقوم على دورة متكاملة: عائلة تتبرع بما لم تعد تحتاج إليه، ومكتبة تجمع الكتب وتفرزها، وطالب يستفيد منها، ثم يعيدها في نهاية العام لتصل إلى طالب آخر.

‏ويؤكد أن "التكافل الاجتماعي بين الناس في ما بينهم ممكن أن يحل جزءًا كبيرًا من المشكلة التربوية"، مشددًا على أن البعد التربوي في المبادرة لا يقل أهمية عن بعدها المادي.

‏ويشرح ناصر الدين أن المستفيد من الكتاب "لا نتصدق عليه"، بل يدفع بدلًا رمزيًا، ليصبح الكتاب بعد ذلك متاحًا لطالب آخر في العام التالي. وبهذه المعادلة، لا تنتهي فائدة الكتاب عند صاحبه الأول، ولا يتحول الدعم إلى مساعدة لمرة واحدة، بل يدخل الكتاب في دورة مستمرة من الاستفادة، بحيث يصبح ما لدى عائلة ما موردًا لعائلة أخرى.

‏الكتاب.. أمانة لا ورقًا للاستهلاك

‏هذه الثقافة تبدأ، وفق ناصر الدين، من طريقة التعامل مع الكتاب نفسه. فالكتاب المدرسي، في نظر المبادرة، ليس مادة للاستهلاك تنتهي صلاحيتها بانتهاء العام الدراسي، بل مورد ينبغي الحفاظ عليه حتى ينتقل من طالب إلى آخر.

‏ولهذا، يشدد على أهمية توجيه الطلاب والأهل إلى الحفاظ على الكتب، قائلًا: "لا بد للكتاب أن يكون مجلدًا، ويحافظ على نظافته"، داعيًا إلى تجنب الكتابة بالحبر عليه قدر الإمكان، لأن المحافظة عليه تتيح الاستفادة منه مرة ثانية وثالثة.

‏ولا يخفي ناصر الدين أن بعض المدارس قد تشترط طبعات جديدة من الكتب، إلا أنه يلفت إلى أن هذه الظاهرة خفّت في السنوات الأخيرة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، وأن العديد من المدارس باتت أكثر مراعاة لأوضاع الأهالي.

‏مجموعات "واتساب".. إعارة خارج جدران المكتبة

‏ولا تتوقف عملية تبادل الكتب عند أبواب المكتبات، فقد دخلت وسائل التواصل الاجتماعي على خط المبادرة، فتحولت بعض مجموعات "واتساب" إلى مساحات لتبادل الكتب بين الأهالي والطلاب.

‏ويوضح ناصر الدين أن هناك مبادرات تعتمد على مجموعات للتواصل، حيث "يضعون ما لديهم من كتب، وبالتالي يلتقون في المدارس ويتبادلون"، مشيرًا إلى أن هذه التجربة توسعت لتشمل المعلمين والمعلمات والأهالي في بعض المدارس، بحيث يجري التواصل مباشرة بين من يملك كتابًا ومن يحتاج إليه.

‏ويؤكد أن الجميع يعمل في هذه المرحلة، وأن مواجهة الأعباء التعليمية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل تحتاج إلى تضافر مختلف المبادرات، من التعبئة التربوية إلى الكشافة والهيئات النسائية والمعلمين والأهالي.

‏المكتبات تحتاج إلى "رأس مال".. والناس هم مصدره

‏غير أن استمرار هذه التجربة يحتاج إلى ما يغذيها باستمرار. وهنا يوجه ناصر الدين رسالة مباشرة إلى الأهالي: الكتب التي لم تعد العائلة بحاجة إليها ليست فائضًا يمكن التخلص منه، بل يمكن أن تصبح سببًا في تعليم طالب آخر.

‏ويقول بوضوح: "هذه المكتبات لها رأس مال"، موضحًا أن رأس مالها الحقيقي هو الكتب التي يتبرع بها الناس، وأنه "إذا لم يبادر المواطنون إلى التبرع بالكتب، بتغذية هذه المكتبات، فهذه المكتبات لن يكون لديها رأس مال".

‏ويشير إلى أن حملات جمع الكتب التي تُنظّم في الأحياء والمناطق تؤدي إلى زيادة المخزون، لافتًا إلى أن المبادرات الميدانية والجولات التي تعرّف الناس بأماكن التبرع تسهم في وصول كميات إضافية من الكتب إلى المكتبات.

‏ولتسهيل عملية التبرع، جرى اعتماد عدد من المراكز في بيروت والجبل التابعة لمنطقة بيروت لاستقبال الكتب، وتشمل المجمعات الدينية والثقافية والمصليات ومراكز التعبئة التربوية والهيئات النسائية وكشافة الإمام المهدي (عج).

‏من طالب إلى طالب.. ومن عائلة إلى عائلة

‏في المحصلة، لا تختصر مكتبات الإعارة وظيفتها في توفير كلفة كتاب لعائلة أو تأمين مادة دراسية لطالب؛ فالفكرة الأوسع هي إعادة تعريف الكتاب نفسه داخل المجتمع: ليس ملكًا ينتهي دوره عند صاحبه، بل أمانة يمكن أن تواصل أداء وظيفتها التعليمية بين طالب وآخر.

‏وهكذا، يصبح الكتاب المدرسي حلقة في سلسلة من التعاون: عائلة تتبرع، ومتطوع يفرز، ومكتبة تحفظ، وطالب يستفيد، ثم يعيد الكتاب إلى الدورة من جديد.

‏وفي بلد أثقلت الأزمة الاقتصادية كاهل الأسر، تتحول مثل هذه المبادرات إلى مساحات عملية للتعاضد، حيث لا يُقاس العطاء بحجمه، بل بقدرته على فتح باب جديد أمام طالب كي يبدأ عامه الدراسي دون أن تكون كلفة الكتاب حاجزًا أمام تعليمه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة