مقالات
بعدما أسدل الستار على نهائيات كأس العالم بفوز أسبانيا فوزاً مستحقاً وخاصة لما له دلالات سياسية، بعدما حاولت "إسرائيل" وعبر قيادتها دعم فريق الأرجنتين، يبدو أن واشنطن كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات لتتفرغ بالكامل لإدارة معركتها الكبرى في "الشرق الأوسط"، كأن إسدال الستار على العرس الكروي العالمي كان بمنزلة الإشارة الزمنية لانطلاق مرحلة جديدة من التصعيد العسكري المفتوح. إن انتهاء البطولة لا يمثل حدثاً رياضياً عابراً، بل يلتقي مع حسابات إستراتيجية رأت في انشغال العالم بالمستطيل الأخضر غطاءً مؤقتًا لترتيبات ميدانية قاسية.
إن القراءة المتفحصة لمسار الأحداث منذ مطلع عام 2026 تشير بوضوح إلى أن واشنطن قد اتخذت قراراً إستراتيجياً بتبني عقيدة الاستنزاف التكنولوجي والابتعاد كلياً عن مغامرات الحروب البرية التي تذكرها بمرارات العراق وأفغانستان، وهو قرار لا ينبع فقط من حسابات الربح والخسارة، بل من فهم عميق لطبيعة الجغرافيا الإيرانية وتكلفتها البشرية والسياسية الباهظة.
لقد بات واضحاً أن الإدارة الأميركية الحالية، رغم نبرتها الحادة، تدرك أن القوة العسكرية البرية في إيران ليست مجرد جيش نظامي، بل هي شبكة معقدة من التداخلات العسكرية التي تجعل من أي اجتياح بري معركة استنزاف مفتوحة، وبدلاً من ذلك، انتقلت الإستراتيجية الأميركية إلى ما يمكن تسميته بالحرب الجراحية العميقة، حيث يتم الاعتماد الكلي على القوة الجوية المتفوقة والترسانة البحرية الضخمة لفرض حصار ناري مستمر. إن الهدف لم يعد إسقاط النظام عبر غزو شامل، بل تقويض ركائز الدولة الإيرانية وقدرتها على العمل من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية، من محطات الكهرباء ومصافي النفط إلى الجسور وشبكات الاتصالات، مما يحول المدن الإيرانية إلى مناطق مشلولة خدمياً، وهو ما تعتقد واشنطن أنه سيفضي في نهاية المطاف إلى انهيار داخلي أو رضوخ إجباري للمطالب الأميركية.
إن هذا التحول في قواعد الاشتباك ليس مجرد تغيير تكتيكي، بل هو إعادة تعريف لمفهوم الحرب في القرن الواحد والعشرين، ففي الماضي كان النصر يقاس بالسيطرة على الأرض، أما اليوم فالنصر يقاس بقدرة الطرف المعتدي على جعل الحياة اليومية في الدولة المستهدفة مستحيلة، ومن هنا تبرز دلالات الضربات المتلاحقة التي لا تهدف إلى احتلال منطقة معينة، بل إلى إخراج مفاصل الدولة عن الخدمة، وهو أسلوب يجنب واشنطن الخسائر البشرية المباشرة التي قد تثير معارضة داخلية لا تحتملها أي إدارة أميركية في ظل انقسام سياسي واجتماعي واضح، وبالتالي، فإن خيار الغزو البري قد استُبعد من طاولة القرارات ليس بسبب غياب القدرة، بل بسبب قناعة بأن تكلفته الإستراتيجية تفوق بأشواط أي مكاسب سياسية متوقعة.
وعلى الجانب الآخر، تدرك طهران أن هذه الحرب الجوية لا تعتمد على موازين القوى التقليدية بقدر ما تعتمد على القدرة على الصمود تحت وطأة الضغط الاقتصادي والخدمي، وهو ما يجعل المواجهة بين الطرفين صراع إرادات طويل الأمد. فبينما تراهن واشنطن على أن الضغط الشعبي المتولد عن انهيار البنية التحتية قد يغير المعادلة من الداخل، تراهن طهران على أن أمد الحرب الطويل قد ينهك التحالفات الدولية المساندة لأميركا ويؤدي إلى تململ عالمي من سياسة التجويع التكنولوجي التي تتبعها الولايات المتحدة.
إن الحديث عن تمدد رقعة الحرب لتشمل الخليج والعمق "الإسرائيلي" لم يعد مجرد فرضية إستراتيجية، بل صار واقعاً جيوسياسياً مريراً يعيد رسم خارطة المنطقة بالدم والنار، فمنذ انطلاق حملة "زئير الأسد الإسرائيلية" بالتنسيق مع العملية الأميركية في شباط/فبراير 2026، تحولت "إسرائيل" من لاعب خفي إلى شريك مباشر في مواجهة استهدفت المنشآت النووية والصاروخية في مدن إيرانية كبرى مثل طهران وأصفهان وكرمانشاه، مما أدى بالضرورة إلى انزلاق المنطقة نحو جبهة مواجهة مفتوحة جعلت من الداخل "الإسرائيلي" هدفاً مشروعاً للرد الإيراني عبر الصواريخ والمسيرات، وهذا الانخراط "الإسرائيلي" لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل هو إعادة هيكلة لتحالفات المنطقة التي أصبحت اليوم تعيش تحت وطأة حرب الجبهات المترابطة، حيث يتداخل مصير القواعد الأميركية في الخليج مع أمن المدن "الإسرائيلية"، وتتعثر الدبلوماسية التقليدية أمام إيقاع صواريخ عابرة للحدود والولاءات.
إن طبيعة المعركة فرضت توسعتها لتشمل دول الخليج التي تستخدمها أميركا قواعدَ انطلاق لعملياتها، مما وضع هذه الدول في قلب إعصار المواجهة، وزعزع استقرارها الأمني والاقتصادي، والأخطر من ذلك هو تحويل الممرات المائية إلى ساحات معركة لا ترحم، خاصة إذا ما دخلت حركة أنصار الله اليمنية المعركة وأغلقت باب المندب الذي سيضاعف من حدة أزمات الإمداد العالمية، ويؤدى إلى شلل حركة ناقلات النفط والسلع الإستراتيجية، لتمتد آثار هذه الحرب من ميادين القتال في الخليج وباب المندب إلى جيوب المواطنين في كل مكان، محولة الصراع إلى أزمة عالمية كبرى لم تشهدها المنطقة منذ عقود.
إن هذا التوسع في رقعة الحرب، بدخول اليمن لاعبًا محوريًّا يسيطر على مضيق باب المندب بالتزامن مع توترات مضيق هرمز، ضرب في مقتل سردية الممرات الآمنة للتجارة العالمية، وكشف عن هشاشة البنية التحتية الإقليمية أمام حروب التكنولوجيا والصواريخ بعيدة المدى، مما ألقى بظلال قاتمة على معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي. وتتجاوز التداعيات حدود المنطقة لتتشابك مع جبهات أخرى، حيث أدت هذه الهجمات المتبادلة إلى إذكاء الصراع في كل المنطقة وتوسيع دائرة الاستهداف الإقليمي، مما جعل الاقليم بأكمله رهينة حالة من عدم الاستقرار المزمن، حيث تبدو كل عاصمة إقليمية اليوم مكشوفة أمام النيران، وتتلاشى فيها الفواصل بين الجبهات، ليصبح "الشرق الأوسط" مسرحاً مفتوحاً لحرب شاملة لم تعد تقبل بالحلول الجزئية.
إن دخول "إسرائيل" طرفًا معلنًا في هذه الحرب، مقابل توسيع دوائر الاستهداف لتشمل القواعد الأميركية في الخليج وإغلاق الممرات البحرية في باب المندب وهرمز، يمثل تحولاً جوهرياً نقل الصراع من مجرد محاولة لتقييد القدرات النووية الإيرانية إلى حرب إقليمية واسعة، أعادت ترتيب التحالفات ووضعت دول المنطقة أمام واقع جديد يتسم بالضبابية والتهديدات الوجودية، فالحرب التي بدأت بضربات جوية دقيقة تحولت إلى معركة بقاء واستنزاف، لا يحدد فيها المنتصر بعدد الأهداف المدمرة، بل بمدى القدرة على تحمل تكاليف المواجهة التي لا تبقي ولا تذر، في ظل مشهد إقليمي بات فيه السلام خياراً بعيد المنال، والحرب قدراً يومياً يطرق أبواب الجميع دون استثناء.