مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
ثمة علاقات لا يُظهر غيابها سكون الأيام، بل تكشفه لحظات الاضطراب. فلمّا اشتعلت نيران الإقليم في عام 2026، وامتد لهيبها من أجوائه إلى ممراته المائية، واخترقت نارها أسواق الطاقة وموائد الشعوب، برزت مفارقة لا يُغتفر السكوت عنها: كانت القاهرة في صلب الجهود الرامية إلى وقف الحرب على إيران، وتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، والبحث عن مخرج يقي المنطقة شر الهاوية، فيما ظلت علاقاتها الرسمية مع طهران محصورة في إطار "رعاية المصالح"!
لقد صار الاتصال الهاتفي بين وزيري الخارجية أكثر انتظاماً من حركة الملاحة الجوية بين العاصمتين، وصارت الوساطة المصرية أكثر عمقاً مما يوحي به مستوى التمثيل الدبلوماسي؛ كأن البلدين يتعاونان معاً على درء أخطار إقليم على وشك الانفجار، ومع ذلك لا يزالان عاجزين عن تنظيم علاقتهما الثنائية بالشكل الذي يليق بوزنهما الإستراتيجي!
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: إنها هوة شاسعة بين ما تفرضه الجغرافيا وما تسمح به الحسابات البالية، وبين الدور الذي تضطلع به مصر فعلياً والمكانة التي ينبغي أن تشغلها. فقد تجاوزت الأحداث سؤال الأمس: "هل تعود العلاقات المصرية-الإيرانية؟"، ليحل محله سؤال أكثر إلحاحاً: "إلى متى تتحمل القاهرة وطهران تكاليف هذا الغياب؟"
حين وصلت فاتورة الحرب إلى القاهرة
أثبتت أزمات عام 2026 أن الحرب على إيران لا تبقى داخل حدودها، وأن الصراع في الخليج لا يقف عند شواطئه. فكل صاروخ يُطلق، وكل ناقلة تتوقف، وكل تهديد يطول ممرات الطاقة، يصل صداه إلى القاهرة في صورة ارتفاع في أسعار الوقود والغذاء والأسمدة، وزيادة في كلفة النقل والتأمين، وضغط على الموازنة، واضطراب في حركة التجارة وقناة السويس.
هكذا أعلنت الجغرافيا، مرة أخرى، أن أمن مصر الاقتصادي ليس جزيرة منفصلة عن أمن الخليج، فقد باتت مصر، وفق تقدير المحللين، واحدة من أكبر الخاسرين اقتصادياً رغم تجنبها دعم العدوان الأميركي على إيران.
وفي ذروة الخطر، تحركت القاهرة بما يليق بدولة تدرك أن انهيار التوازن سيصيبها قبل أن تتبدد سحب الدخان. أجرت اتصالات مكثفة، وأسهمت في تقريب وجهات النظر، ودعمت المسار التفاوضي، ودعت إلى حوار إقليمي يعالج شواغل جميع الأطراف. ففي شباك/فبراير 2026، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان اتصالاً هاتفياً ناقشا فيه التصعيد العسكري الإقليمي، وأشاد بزشكيان بالدور المصري في خفض التصعيد. وفي حزيران/ يونيو، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لنظيره الإيراني الأهمية الحاسمة لجهود خفض التوتر ومنع المزيد من التصعيد وعدم الاستقرار في المنطقة، فيما أعرب الجانب الإيراني عن تقديره للدور الذي لعبته مصر على مدى الأشهر الماضية في المساعدة على تقريب وجهات النظر.
بل إن المخابرات المصرية فتحت قناة خلفية مع الحرس الثوري الإيراني، واقترحت هدنة لمدة خمسة أيام كإجراء لبناء الثقة لوقف إطلاق النار. وقد مارست مصر دوراً محورياً في الرباعية التي ضمت باكستان والسعودية وتركيا للوساطة في الحرب الأميركية-الإيرانية، واستضافت القاهرة اجتماعاً رباعياً لوزراء خارجية هذه الدول في حزيران/ يونيو.
وهنا تبرز المفارقة بأوضح صورها: إذا كانت مصر مؤهلة للإسهام في منع الحرب بين إيران والولايات المتحدة، فكيف لا تكون مؤهلة لبناء علاقة كاملة مع إيران نفسها؟ وإذا كانت طهران تثق بالقاهرة ناقلاً للرسائل ومقرباً لوجهات النظر، فلماذا يتوقف هذا الرصيد عند حدود الوساطة ولا يتحول إلى علاقة سياسية مؤسسية؟
مخاوف لا تعالجها القطيعة
غير أن الدعوة إلى استعادة العلاقات لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب احتفالي يتجاهل أسباب القلق المصري والعربي. فالعلاقات الراسخة لا تُبنى على دفن الخلافات تحت عبارات المجاملة، بل على القدرة على تسميتها ووضعها فوق الطاولة.
فمصر تتخذ موقفاً حذراً تجاه الدور الإيراني الإقليمي ونفوذها، "معتبرة إياه تهديداً محتملاً لمصالحها الإقليمية". وقد نفت القاهرة رسمياً مراراً وجود أي قرار بتبادل السفراء مع طهران، مؤكدة أن الاتصالات بين البلدين تأتي في إطار الجهود الإقليمية لخفض التصعيد وحدة التوتر في المنطقة. ومصر، وفق محللين، هي الجهة الأكثر حذراً بين الدول التي تسعى للتقارب مع إيران، بعد أن قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع طهران عام 1979.
وفي المقابل، ثمة مخاوف إيرانية مشروعة. فمصر دولة ذات ثقل إقليمي، وقراراتها السياسية والعسكرية تؤثر مباشرة في موازين القوى في المنطقة. وقد أكدت طهران مراراً أنها ترى في مصر قوة إقليمية كبرى، وأنها لا تعترض على دعمها لدول الخليج، مشددة على أن مصر دولة مستقلة في قراراتها، ولها كامل الحق في تبني السياسات التي تحقق مصالح شعبها.
غير أن المخاوف ليست أحكام إعدام، وينبغي ألّا تصبح مبرراً لقطيعة لا تنتهي. الطريق إلى تبديدها لا يمر عبر إغلاق السفارات، بل عبر حوار رسمي يميز بين التبادل الثقافي والديني المشروع وبين التوظيف السياسي للمذهب، ويضع ضمانات متبادلة تحمي خصوصية المجتمعين وسيادة الدولتين.
من إدارة الخطر إلى استثمار المصير
لقد قطعت العلاقات بين القاهرة وطهران شوطاً مهماً خلال السنوات الأخيرة، رغم بقائها دون مستوى السفراء. فقد عُقد أكثر من 15 لقاءً على مستوى وزيري الخارجية، إضافة إلى لقاءات بين وزراء الصحة والعدل والسياحة والطاقة. وتم إنشاء لجنة مشتركة للتشاور السياسي بين البلدين، عُقد في إطارها لقاءان رسميان. وأشار رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر إلى أن نحو 70% من رؤى البلدين بشأن الملفات الإقليمية قد تقاربت. بل إن قائد الثورة الإسلامية في إيران رحب شخصياً باستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين مصر وإيران، في خطوة عززت التكهنات بقرب الإعلان الرسمي.
وفي الشق الاقتصادي، أبدت إيران استعدادها لتلبية احتياجات مصر من النفط فور تلقي طلب رسمي، كما أشارت إلى إمكانية إحياء استثمارات إيرانية سابقة في مصر في مجالات تخزين النفط والصناعات الغذائية والسيارات. وفي خطوة لافتة، أعادت طهران تسمية شارع "إسلامبولي" إلى سيد شهداء الأمة الشهيد السيد "حسن نصر الله" في محاولة للمصالحة مع مصر.
لكن الخطوة الأولى لا تحتاج إلى فلسفة معقدة: رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء. فقد تجاوزت كثافة الاتصالات واللقاءات صيغة "رعاية المصالح"، وأصبح استمرارها أقل من مستوى الواقع السياسي نفسه.
ثم يأتي إطلاق حوار إستراتيجي دائم بين مؤسسات الدولتين، لا يُستدعى عند اشتعال الحرب ثم يُطوى بانطفاء النيران، بل يناقش بانتظام ملفات فلسطين ولبنان والعراق وسورية واليمن والبحر الأحمر والخليج، وأمن الملاحة والطاقة، والبرنامج النووي، ومستقبل النظام الإقليمي.
ويحتاج البلدان إلى وثيقة مبادئ تضبط العلاقة: احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض استخدام المذهب أو الإعلام أداةً للنفوذ، وعدم دعم أي نشاط يستهدف أمن الدولة الأخرى، ورفض تحويل أراضي المنطقة إلى منصات للاعتداء المتبادل. فالسيادة لا تتجزأ؛ تحمي الدول العربية من الصواريخ الإيرانية، مثلما تلزمها بألا تتحول أراضيها إلى قواعد لضرب إيران.
اقتصادياً، يمكن البدء بالقطاعات غير الخاضعة للعقوبات؛ من الدواء والزراعة والصناعات الغذائية والبتروكيماويات، إلى النقل والسياحة والخدمات الطبية، مع إنشاء قنوات مالية وقانونية منضبطة تحمي الاقتصاد المصري وتراعي التزاماته الدولية. فاستعادة العلاقات قد تسهل تدفق السياح الإيرانيين إلى مصر، مما قد يسهم في توفير العملة الصعبة التي تشتد الحاجة إليها.
أما ثقافياً، فلا يحتاج البلدان إلى اختراع ذاكرة مشتركة؛ فالذاكرة موجودة وتقاوم السياسة منذ قرون: الشيخ مصطفى إسماعيل في الوجدان الإيراني، و"نهج البلاغة" بشرح محمد عبده، وتراث فارسي أعادت مطبعة بولاق إحياءه. المطلوب ألا تُترك هذه الجسور رهينة للدعاية أو التوظيف المذهبي، بل أن تتحول إلى تبادل جامعي وفني وثقافي يعيد تعريف كل شعب بالآخر بعيداً عن صور الخوف.
فلسطين والبوصلة الغائبة
كان المشروع الأميركي-الصهيوني المستفيد الأكبر من تحويل إيران إلى الخطر الأول في الوعي العربي؛ فكلما تقدمت صورة "العدو الإيراني"، تراجعت صورة المحتل الصهيوني، واتسعت أسواق السلاح، وتعززت الحاجة إلى القواعد الأجنبية، ووجد التطبيع طريقه إلى الوعي قبل أن يصل إلى الاتفاقيات.
وقد أدركت طهران هذه المعادلة جيداً. فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف مصر بأنها "صديق وشريك مهم" لإيران، ودعا إلى اليقظة تجاه ما وصفها بـ"المخططات الإسرائيلية". وأكد أن العلاقة بين مصر وإيران أكبر من علاقة مصر مع العديد من دول الجوار. بل إنه ذهب إلى القول إنه لا يوجد أي سبب للخلاف بين طهران والقاهرة.
وهذا لا يعني تجاهل الخلاف بين مصر وإيران حول بعض أدوات دعم المقاومة أو حدود أدوار القوى المسلحة. لكنه يعني أن القاهرة وطهران تستطيعان بناء مساحة مشتركة تمنع تصفية القضية الفلسطينية، وترفض التهجير، وتحمي وحدة الأراضي الفلسطينية، وتعيد توجيه بوصلة الإقليم نحو مصدر الخطر الحقيقي: الاحتلال والمشروع الصهيوني التوسعي. فقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن القاهرة تدرك أن طهران لا تريد أن تتألم وحدها أو بصمت.
فالعلاقة مع إيران لا ينبغي أن تُختزل بمقدار ما تمنحه لطهران، بل بمقدار ما تستعيده مصر من قدرة على التأثير في ملفات فلسطين ولبنان والعراق والخليج، وما تغلقه من منافذ أمام تحويل الانقسام العربي-الإيراني إلى جسر تعبر عليه الهيمنة الأميركية والغطرسة الصهيونية.
من وهم الاصطفاف إلى واقع التوازن
ثمة من يتعامل مع أي تقارب مصري-إيراني باعتباره حسماً من رصيد مصر العربي أو تهديداً لعلاقاتها الخليجية. وهذه معادلة زائفة؛ فأمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري، لكنه لا يُصان بتحويل المنطقة إلى خط تماس دائم، بل بإقامة توازن يحمي السيادة ويمنع الحرب.
لقد أعادت دول خليجية فتح قنواتها مع طهران، وأدركت أن الحوار المباشر أقل كلفة من صراع الرسائل والوسطاء. ومصر لا تحتاج إلى أن تختار بين الخليج وإيران؛ بل تستطيع، بحكم وزنها العربي وابتعادها عن الحساسية المذهبية، أن تكون جسراً بينهما، وأن تطرح مفهوماً للأمن الإقليمي لا يقوم على الحماية الأميركية، ولا يقبل بتحويل الكيان الصهيوني إلى شرطي للمنطقة.
فمصر تراعي تقليدياً السعودية في ما يخص العلاقة مع إيران، وقد تحركت القاهرة في مسار التقارب مع طهران بعد أن اتجهت الرياض في هذا المسار عام 2023. لكن هذا لا يعني أن العلاقة المصرية-الإيرانية يجب أن تظل رهينة للتنسيق الخليجي؛ فمصر دولة ذات سيادة، ومصالحها الوطنية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح أي طرف آخر.
الغياب... عبء لا حياد
لا تحتاج مصر وإيران إلى قصة حب سياسية، ولا إلى تحالف يلغي اختلافاتهما، ولا إلى اتفاق مسبق على كل ملفات الإقليم. تحتاجان إلى شجاعة الاعتراف بأن القطيعة لم تُنهِ الخلاف، بل تركته بلا إدارة؛ ولم تحمِ الأمن القومي، بل قلّلت قدرة كل طرف على فهم الآخر والتأثير فيه، ولم تعزل إيران، بل غيّبت مصر عن مساحة كان ينبغي أن تكون حاضرة فيها بثقلها وتاريخها.
لقد أثبتت القاهرة أنها تستطيع الحديث مع طهران حين تنقطع قنوات الآخرين، وأنها تملك من الرصيد والصدقية ما يؤهلها للإسهام في وقف الحرب. لكن الوساطة، مهما بلغت أهميتها، تظل إدارة للحظة الخطر، فيما العلاقة الكاملة استثمار في منع الخطر قبل وقوعه.
آن الأوان للانتقال من "رعاية المصالح" إلى "شراكة المصالح"؛ علاقة لا تطلب من مصر التخلي عن عروبتها، بل تلزم الدولتين بقواعد الجوار والندية والسيادة، وتعيد إليهما القدرة على المشاركة في كتابة مستقبل المنطقة بدل انتظار ما تكتبه واشنطن والكيان الصهيوني لهما.
فحين يطول الغياب، لا يعود حياداً، بل يتحول إلى موقف؛ وحين تُغلق أبواب الدبلوماسية، لا تختفي الخلافات، بل تبحث عن نوافذ تدخل منها الحروب. والتاريخ، في النهاية، لا يسأل لماذا تأخر وصول السفراء؛ إنه يسجل فقط أسماء الذين أبقوا الباب مغلقاً، حتى دخلت النار من النوافذ.
تبقى الإجابة عن السؤال: هل تنجح دبلوماسية المصالح في تجاوز إرث القطيعة؟ مرهونة بإرادة سياسية تدرك أن غياب السفراء لا يحمي المصالح، بل يتركها فريسة للرسائل غير المباشرة والحسابات الخطأ. والمصالح، في النهاية، لا تُدار بالغياب، بل بالحضور.