اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "إسرائيل هيوم" تكشف تواطؤ الجيش "الإسرائيلي" مع المستوطنين في هجماتهم

مقالات

المقاومة في مواجهة معادلة فرض الوقائع
🎧 إستمع للمقال
مقالات

المقاومة في مواجهة معادلة فرض الوقائع

113

ليس جديدًا أن تعتمد الولايات المتحدة و"إسرائيل" سياسة تقوم على فرض الوقائع بالقوة، ثم محاولة فرض التعامل معها لاحقًا على أنها معطيات سياسية وأمنية ثابتة ينبغي للطرف المقابل التسليم بها والانطلاق منها في تحديد مواقفه وخياراته. هذه المنهجية التي حضرت بقوة في التجربة الفلسطينية، حيث تحوّلت وقائع الاحتلال والاستيطان والسيطرة الميدانية تدريجيًا إلى عناصر يُراد إدراجها في أي تسوية لاحقة، يبدو أن هناك محاولة لاستنساخها في لبنان، وإن بأدوات وظروف مختلفة.

ضمن هذا السياق يمكن فهم اتهام الخارجية الأميركية حزب الله بأنه يرفض التحدث مع الأميركيين و"الإسرائيليين" والدولة اللبنانية، وربط هذا الموقف بما وصفته واشنطن بأنه التزام بقرار إيراني. فالمسألة، وفق هذا المنطق، لا تتعلق بمجرد الدعوة إلى الحوار، بل بالمرجعية السياسية التي تنطوي عليها الدعوة إلى هذا الحوار وبالوقائع التي يُطلب من المقاومة التسليم بها مسبقًا.

ما يُراد عمليًا هو أن تتعامل المقاومة مع الاحتلال "الإسرائيلي" لبعض الأراضي والنقاط اللبنانية باعتباره «أمرًا واقعًا» نابعًا من حاجة أمنية "إسرائيلية"، على النحو الذي يقدمه الخطاب الرسمي "الإسرائيلي"، وأن يصبح البحث لاحقًا في كيفية إدارة هذا الواقع لا في أصل مشروعيته أو ضرورة إنهائه. وبذلك تنتقل المسألة من كونها احتلالًا لأراضٍ يفترض أن يكون الانسحاب منها نقطة البداية، إلى كونها مشكلة أمنية تفاوضية ترتبط بحزمة من المطالب المتبادلة، وفي مقدمتها سلاح المقاومة ودورها.

ومن هنا أيضًا يأتي السعي إلى جعل الاتفاقات والأطر التفاوضية القائمة سقفًا سياسيًا وحيدًا لمواقف المقاومة وخياراتها، بحيث يصبح المطلوب منها ليس مجرد الالتزام بترتيبات محددة، وإنما القبول بالتصور الأميركي الأشمل لما يسمى مشروع السلام. وهذا، بحسب القراءة التي تقدمها المقاومة، ينطوي على قلب كامل للأولويات: بدلًا من أن يكون الاحتلال والاعتداء "الإسرائيليان" أصل المشكلة، يصبح سلاح المقاومة هو القضية المركزية، ويُربط إنهاء الاحتلال أو معالجة آثاره بنزع هذا السلاح.

بمعنى آخر، يؤدي هذا المسار إلى شرعنة غير مباشرة للاحتلال من خلال تحويله إلى ورقة تفاوضية مرتبطة بتجريد لبنان من إحدى قدراته الدفاعية. فالقبول بهذه المعادلة يعني عمليًا الانتقال من مبدأ أن على "إسرائيل" الانسحاب ووقف الاعتداءات، إلى مبدأ أن على لبنان أولًا تقديم ضمانات أمنية وسياسية وعسكرية قبل البحث في الانسحاب "الإسرائيلي" غير المضمون، بل وقطع الإطار الثلاثي الطريق عليه باستبداله بإعادة الانتشار. وهنا يكمن جوهر الخلاف.

في المقابل، يقدّم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تصورًا معاكسًا يقوم على أن التراجع أمام "إسرائيل" لا يؤدي إلى تخفيف الضغوط، بل يشجعها على توسيعها، وأن الصمود، رغم كلفته، هو الذي يضع حدودًا لاندفاع المشروع "الإسرائيلي". ومن هذا المنطلق قال إن «أي تراجع أمام العدو سيؤدي إلى إبادتنا»، وإن الصمود مهما بلغت تكلفته يمكن أن يوقف اندفاعة العدو ويهيئ لاستعادة الموقع والقدرة لاحقًا. كما يرى أن شدة العقوبات أو العدوان العسكري لا تغيّر من هذه المعادلة، لأن الرهان يبقى على أن الصمود قادر في نهاية المطاف على إسقاط أهداف المشروع المقابل.

وعليه، فإن حدة الانتقاد الأميركي للمقاومة لا تنفصل، في هذه القراءة، عن الإحباط الناتج من تعثّر الرهان على تطويع قرارها وإدخالها في المسار السياسي المطلوب. فالهجمات التي تتعرض لها المقاومة لا تتعلق برفض الحوار بقدر ما تتعلق برفضها القبول بالشروط السياسية المسبقة التي يُراد أن تحكم هذا الحوار.

وفي الاتجاه نفسه يمكن قراءة السردية التي نقلها مصدر لبناني مسؤول رفيع إلى قناة الجزيرة عن توجيه السلطة اللبنانية رسائل إلى حزب الله بهدف التشاور. فالمشكلة ليست في التشاور بحد ذاته، وإنما في طبيعة المعادلة التي يمكن أن يُستخدم التشاور لتثبيتها، وخصوصًا في الملفات الميدانية الحساسة، ومن ضمنها معالجة نقاط موضعية محددة، عبر تحويلها إلى سابقة تؤسس لقاعدة جديدة: "إسرائيل" تهدد، فتتحرك الدولة اللبنانية لإقناع المقاومة بالتراجع أو إخلاء هذا الموقع أو هذا الوادي أو تلك القرية، ثم تتحول هذه السابقة إلى نموذج يمكن تعميمه على نقاط أخرى.

وهكذا يصبح التهديد "الإسرائيلي" أداة لإعادة تشكيل الانتشار والقرار اللبنانيين من دون أن تقدم "إسرائيل" مقابلًا حقيقيًا. الأخطر من ذلك أن المقاومة تجد نفسها أمام معادلة سياسية مزدوجة: إذا دافعت عن الأرض واستخدمت ما لديها من إمكانات، وُصفت بأنها تنفذ قرارًا إيرانيًا؛ أما إذا امتنعت عن الرد وبقيت تتلقى الضربات، فلا يُثار السؤال نفسه عن السيادة والقرار الوطني، بل قد يُقدَّم الصمت باعتباره «مسؤولية».

الخلاصة أن جوهر الصراع الدائر لا يتعلق فقط بنقطة عسكرية أو بجولة تفاوضية أو بقناة اتصال بين حزب الله والدولة، بل بمحاولة تحديد القاعدة التي ستحكم المرحلة المقبلة: هل يكون الاحتلال والعدوان "الإسرائيليان" هما نقطة البداية التي تستوجب الإزالة، أم يتحولان إلى واقع ثابت يُطلب من لبنان والمقاومة التكيف معه مقابل وعود غير مضمونة، فضلًا عن كونها مستبعدة؟ من هنا تبدو المواجهة سياسية بقدر ما هي ميدانية؛ لأنها مواجهة على تعريف المشكلة نفسها قبل البحث عن حلها. فحين يُعاد تعريف الاحتلال باعتباره «حاجة أمنية»، والمقاومة باعتبارها «العقبة»، يصبح المطلوب عمليًا نقل لبنان من موقع المطالِب بإنهاء الاحتلال إلى موقع المطالَب بتقديم التنازلات. وهذا تحديدًا هو الفخ الذي ترى المقاومة أن رفضه يشكل شرطًا لحماية ما تبقى من عناصر القوة والردع في لبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة