نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
في البدء، يعزّ علينا أنّنا تفصلنا عنكم المسافات، فجميعنا يودّ أن يكون بينكم، معكم، بخدمتكم. وجميعنا ترك في طرف جعبة كلّ منكم قطعةً من قلبه، وجميعنا بقيت عيناه معلّقتين في خطواتكم، وجميعنا يودّ لو بخيط لكم من نسيج ضلوعه درعًا، ومن ضوء عينيه حرزًا يحجب هاماتكم العالية عن كيد العِدا.
يعلم الله وتعلمون أنّ في بيوتنا كلًّا منكم هو بمثابة الابن الأعزّ والأخ السند والأب القدوة، وأنّكم أوتاد البيوت وبركتها.
"فداكم" نقول حبًّا كلّما مسّنا وجعٌ في الحرب، لكن في الحقيقة أنتم وحدكم أهل الفداء، وأنّ كلمتنا العفوية هذه ليست سوى انعكاس شمس الفداء الساطعة من جباهكم.
الآن، فيما روحكم تقاتل على أرض عاملة، وتستبسل في صون الكرامات وفي الدفاع عن الأرض وأهلها، وفيما تسطّرون يا أسياد النزال أصدق حكايات الحقّ المقاتل، يحاول العدوّ كسر عزيمتكم باستهداف قرانا وضاحيتنا، والضغط عليكم بتهجيرنا، وابتزازكم بالتهديد بقتلنا. يمارس كلّ وحشيّته ضدّ الأحياء السكنية لعجزه عن كسر إرادتكم في الميدان. يُخلي الضاحية، حبيبتكم، تحت التهديد كي يخفي فشله في إخلاء ساحات الوغى من شجاعتكم التي ترهبه. يكشف عن إفلاس "بنك أهدافه" وفشل ضربته الاستباقية بمحاولة تحويل الأماكن التي تنتمون إليها إلى مناطق مدمّرة. يا أولي البأس المنصورين المنتصرين، كلّ ما يفعله العدوّ ضدّ أهلكم إنّما هو إقرارٌ منه بخوفه منكم. يا أهل الحقّ المهاب، وأبناء الخطّ الثوريّ الذي لا يخضع.
أمّا بعد، نحن يا حبّات العيون بخير، مؤمنون بنصركم الآتي الذي نتمنّى أن يكون صمودنا اشتراكًا فيه، ولو بمقدار قطرةٍ، واثقون بأنّ عزيمتكم درع كرامتنا، وأنّ روحكم الفدائية بيتنا إن عزّت البيوت.
دمّر العدوّ بيوتنا. لا بأس! وهل الحجارة أعزّ علينا من قطرةٍ من دمكم؟
استهدف العدوّ أحياءنا. لا بأس! ستعود الأحياء حين تعودون منصورين، أبهى وأجمل.
نزحنا تحت التهديد. لا بأس! إن كان النزوح وكلّ ما فيه من إرباكٍ ثمنًا للعزّة، فليكن. العزّة أثمن من دفء بيوتنا وما فيها، والكرامة التي تبذلون في حفظها دمكم كلّه أغلى وأعزّ من كلّ راحةٍ وكلّ استقرار.
خرجنا بدون وجهةٍ محدّدة. لا بأس! فوجهة قلوبنا واضحة، لا تحيد عن أثر خطواتكم على أرض النزال. ووجهة أرواحنا أبدًا حيث تحطّ عيونكم وأنتم تقاتلون.
يا أهل الشرف والبذل، وأبناء الطاهرات الكريمات والرجال الرجال، لا تعيروا لنزوحنا برهةً من نبضكم، فهو حصّتنا من الجهاد وامتحاننا الذي نرجو أن نتجاوزه متألّقين. إنّ العدو يتعمّد ارتكاب جريمة التهجير لأهدافٍ مختلفة، منها الضغط عليكم كي تتراجعوا عن هزيمته التي يراها بعينيه كلّما دككتم حصون عنجهيّته بوابل إيمانكم بالحقّ، ومنها الضغط علينا كي نتراجع عن ارتباطنا بكم، وما أغباه حين يظنّ أنّ القلب عن شغافه ينفصل، ومنها إشعال فتنٍ داخلية بحسب ما اعترف عبر إعلامه، وهنا تردّ عليه جموع الناس، لا مجتمع المقاومة فقط، باحتضان النازحين، وبدعمهم الذي تسارع إليه مختلف الطوائف والمكوّنات اللبنانية، حتى التي في السلم غير معنية بخيار المقاومة.
لذلك كلّه، نزوحنا الذي ليس هروبًا ولا تخلّيًا عن المقاومة كما يحاول بعض مرضى التصهين تصويره، إنّما هو تحريرٌ لكم من عبء تواجدنا حيث يسهل للعدوّ ارتكاب المجازر بعيالكم، وجميعنا عيالكم.
هنا، وقد خرجنا من بيوتنا التي سنعود إليها منتصرين، حيث نحن، في البيوت البديلة المؤقتة، في المدارس ومراكز الإيواء، عند أرصفة الشوارع، في كلّ مكانٍ وجدنا فيه مأوى ريثما تطفئون نار العدا ونعود على وقع انتصاركم معزّزين مكرّمين، نزيل غبار الهمّ عن وجه قلوبنا بمتابعة بيانات الإعلام الحربي التي تنقل إلينا مشاهد بطولاتكم، ونحسب كلّ فعلٍ منكم سقفًا لنا، وبيتًا أمينًا.
يا رجال الله، سامحونا على كلّ برهة قلقٍ قد تنتابكم بسببنا. سامحونا على تقصيرنا في إيفائكم حقوقكم الكثيرة علينا. سامحوا ضعف بعضنا في لحظة خوفٍ أو قلق. سامحوا وجودنا في أماكن آمنةٍ فيما تقاتلون على خطوط النار. سامحوا غفوتنا فيما تمضون الأيام والليالي بأعينٍ لا تستريح أجفانها كي تصون الأرض والبلاد. سامحوا مطالبتنا بالثأر لجميع شهدائنا من بعيدٍ، فيما أنتم تكتبون بدمكم أنبل الثارات. واعلموا أنّنا نرى النصر الذي تصنعون بعيون قلوبنا، وندمع فخرًا وعزّة..