مقالات
في الحروب المعاصرة لا يُقاس ميزان القوة بحجم القدرات العسكرية أو التفوق التكنولوجي فحسب، بل بمدى قدرة كل طرف على إدارة الزمن الاستراتيجي والتحكم في شكل المواجهة وساحتها وتوقيتها. فالطرف الذي ينجح في فرض إيقاع الحرب وتسلسلها يقترب من امتلاك زمام المبادرة، حتى لو لم يكن متفوقاً في جميع عناصر القوة. ومن هنا تكتسب مسألة حرمان العدو من اختيار ساحة المعركة وتوقيتها أهمية مفصلية، لأنها تسلبه الظروف المثلى التي كان يسعى إلى توظيفها لتحقيق أهدافه.
في هذا الإطار يمكن فهم الحسابات التي حكمت تفكير العدو خلال المرحلة الأخيرة من المواجهة الإقليمية. فقد بدت استراتيجيته قائمة على محاولة إعادة ترتيب الجبهات زمنياً وجغرافياً بما يسمح له بتفكيك عناصر القوة لدى خصومه، والتعامل مع كل ساحة على حدة، بدلاً من مواجهة شبكة مترابطة من الجبهات التي يسند بعضها بعضاً.
الرهان الأول: الاستفراد بلبنان بعد إنهاء المعركة مع إيران
أحد الخيارات التي كانت مطروحة أمام قيادة العدو تمثّل في تأجيل المواجهة مع لبنان ومقاومته إلى ما بعد حسم المعركة مع إيران. استند هذا السيناريو الى فرضية إمكانية خوض حربه الكبرى ضد طهران مطمئناً إلى أن الجبهة اللبنانية لن تتحول إلى جبهة ناشطة تستنزف قدراته العسكرية أو تفرض عليه توزيع جهده القتالي.
لم يكن الهدف من ذلك مجرد تحييد لبنان مؤقتاً، بل تهيئة الظروف لمرحلة لاحقة يتم فيها الاستفراد به بعد انتهاء المواجهة مع إيران. فالحرب التي تُخاض ضد خصم واحد تكون أكثر قابلية للتحكم بمسارها مقارنة بحرب متعددة الجبهات، خصوصاً إذا تمكن العدو من تركيز ثقله العسكري في ساحة واحدة. ومن هنا كان تأجيل المواجهة مع لبنان جزءاً من تصور أوسع يقوم على تفكيك الترابط بين جبهات محور المقاومة وإعادة ترتيبها ضمن سلسلة من المواجهات المنفصلة.
وقد أشارت تقارير إعلامية "إسرائيلية" إلى وجود نقاشات داخل المجلس الوزاري المصغّر حول هذا الخيار، ترافقت مع إعلان عن اتخاذ قرار بشن حرب وقائية-استباقية ضد حزب الله، بدعم من رئيس أركان الجيش إيال زامير ووزير الأمن يسرائيل كاتس وآخرين. غير أن التطورات الميدانية سارت في اتجاه مختلف، إذ بادر حزب الله إلى الرد على الاعتداءات التي تعرض لها خلال خمسة عشر شهراً، مستفيداً من المتغيرات الإقليمية، إضافة إلى أن عملياته ضد العدو جاءت في سياق مواجهة الجرائم "الإسرائيلية" في المنطقة وفي إيران أيضاً.
الرهان الثاني: الحرب الاستباقية المفاجئة
في المقابل، كان العدو يستند إلى خيار آخر يتمثل في شن حرب مفاجئة. وقد حُسم النقاش في نهاية المطاف باتجاه تنفيذ هذا الخيار خلال الحرب مع إيران، لا بعد انتهائها، بهدف توجيه ضربة مباغتة تستفيد من انشغال طهران بالمواجهة المباشرة، ومن انشغال البيئة الإقليمية والدولية بتداعيات تلك الحرب.
المنطق الذي يستند إليه هذا الخيار يقوم على أن عنصر المفاجأة الاستراتيجية قد يسمح بإحداث اختلال سريع في ميزان القوى، سواء عبر اغتيال واسع لقادة حزب الله إذا توفرت المعلومات الاستخبارية التي تسمح بذلك، أو عبر ضرب القدرات الصاروخية، أو فرض وقائع ميدانية سريعة قبل أن تتشكل معادلات جديدة. وبذلك كان الجمع بين المباغتة وتشتت الخصم إقليمياً يشكّل الركيزة الأساسية لهذا التصور.
إرباك الحسابات: كسر منطق الاستفراد والمفاجأة
غير أن توقيت ردّ المقاومة الإسلامية على الاعتداءات "الإسرائيلية" أدخل عنصراً جديداً إلى المعادلة. فهذا الرد لم يكن مجرد فعل تكتيكي محدود، بل أدى عملياً إلى إسقاط الرهانين معاً.
فمن جهة أولى، أسقط فرضية الاستفراد بلبنان. إذ إن تفعيل الجبهة اللبنانية في ظل المواجهة مع إيران يعني أن العدو لم يعد قادراً على ترتيب الحرب وفق تسلسل يسمح له بالتعامل مع كل خصم على حدة. لقد وجد نفسه أمام تداخل بين الساحتين الإيرانية واللبنانية، بما يحول دون نقل كامل ثقله العسكري إلى أي منهما بصورة منفصلة.
ومن جهة ثانية، أضعف إمكانية تحقيق المفاجأة الاستراتيجية والعملياتية. فحين تصبح الجبهة اللبنانية ناشطة ومتصلة مباشرة بسياق المواجهة الإقليمية، يفقد العدو القدرة على اختيار توقيت الحرب منفرداً. إذ إن المفاجأة تقوم أساساً على المبادرة الأحادية، بينما تؤدي المعادلة الجديدة إلى فرض مبادرة متبادلة لا يستطيع طرف واحد احتكارها.
النتيجة الأبرز لهذا التحول أن المواجهة لم تعد تُدار بمنطق الجبهات المنفصلة، بل بمنطق التساند المتبادل بين الساحات. فالجبهة الإيرانية لم تعد معزولة عن الجبهة اللبنانية، كما أن الجبهة اللبنانية لم تعد رهينة توقيت يحدده العدو منفرداً.
هذا الترابط يفرض معادلة جديدة في الحسابات الاستراتيجية، إذ إن كل خطوة في ساحة معينة تصبح ذات تأثير مباشر على الساحة الأخرى، ما يزيد كلفة التصعيد على العدو ويعقّد قدرته على تحقيق أهدافه بسرعة. وفي المقابل، يتيح هذا الترابط توزيع الضغط العسكري والسياسي على أكثر من محور، الأمر الذي يحدّ من قدرة الخصم على تركيز قوته الحاسمة في نقطة واحدة.
انطلاقاً من ذلك يمكن القول إن الرد الذي أربك حسابات العدو لم يكن مجرد ردّ على اعتداءات محددة، بل فعل ذو أثر استراتيجي أعمق، لأنه منع العدو من فرض شكل الحرب الذي كان يسعى إليه. فبدلاً من معركة منفصلة تُدار وفق ترتيب زمني يخدم مصالحه، وجد نفسه أمام واقع تتشابك فيه الجبهات وتتداخل فيه الساحات.
صحيح أن هذا السيناريو ينطوي على كلفة ومخاطر، لكنه يبقى -وفق ميزان القوى-السيناريو الأقل خطراً مقارنة بالبدائل التي كان العدو يسعى إلى فرضها، وفي مقدمتها خيار الاستفراد بلبنان أو خيار الحرب المباغتة. فعندما يسقط هذان الخياران، ينتقل الصراع من منطق المبادرة الأحادية إلى منطق التوازن المتحرك بين الجبهات، وهو توازن يعيد توزيع المخاطر ويحدّ من قدرة أي طرف على حسم المواجهة بشروطه الخاصة.