مقالات
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
إنّ خطوة الإقدام على التفاوض المباشر هي قفزة في الهواء، ودونها قعرٌ بلا قاع، خصوصًا حين تُقدم عليها وأنت تجرّد نفسك من كل أوراق القوة، وتقفز عن سبق مغامرةٍ ــ بافتراض حُسن النوايا ــ بكل ما أوتيت من ضعفٍ ودموع، إلى طاولةٍ لا يجلس عليها إلّا الذئاب، وأنت تذهب بطباع الحملان مدعوًّا للعشاء، فمن سيكون الوليمة في ظنّك حَسَن النيّة؟
على سبيل المثال، يقول الرئيس الأميركي في أحد تصريحاته، على أعتاب الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد المحتملة: "إيران لا تملك شيئًا، وليس لديها أوراق قوة، وأنا مفاوض بارع". فإذا كانت دولة مثل "إيران"، دولة مقتدرة وصعبة المراس، وتمسك اقتصاد العالم من بلعومه، ولديها ترسانة هائلة من الصواريخ والمسيّرات، فضلًا عن جيشٍ وحرسٍ وباسيج وملايين المتطوعين، يراها ترامب بلا أوراق قوة، ويطالبها بالاستسلام، فكيف ينظر ترامب إلى لبنان؟ وسلطته الحاكمة تعتمد استراتيجية البكاء، حسب وزير الخارجية، وتفتش عن كل ورقة قوة يمتلكها لبنان حتى تحرقها قبل الوصول إلى طاولة التفاوض، بل وتتعامَل مع أقوى أوراقها، وهي المقاومة، باعتبارها الخاصرة الرخوة وورقة ضعفها، رغم أنّه لولا هذه المقاومة التي صنعت الإعجاز تلو الإعجاز في ميدان معركة العصف المأكول، لما تذكّر نتنياهو أو ترامب أنّ هناك مبادرة رئاسية لبنانية للتفاوض.
ولكن بعيدًا عن القيَم الوطنية والقومية والإنسانية، وبعيدًا حتى عن الدستور والمواثيق والقوانين اللبنانية، فإنّ التفاوض المباشر مع الكيان يشكّل خطرًا وجوديًا على لبنان، حيث يُعتبر التفاوض المباشر اعترافًا ضمنيًا بوجود الكيان وشرعية وجوده، وهو اعترافٌ مبدئي يُعتبر مقدمة للاعتراف العلني.
والاعتراف يعني التسليم المطلق بأحقية الكيان بالجغرافيا التي استولى عليها بالقوة، وبالتالي الإقرار ضمنًا بمشروعية سلوكه الإجرامي، الذي أدّى إلى تهجير ملايين الفلسطينيين، والذي تحمّل لبنان بحكم الجوار جزءًا من أعبائه، وبالتالي فهو يجرّد اللاجئين الفلسطينيين الذين استقبلهم من أهم حقوقهم، وهو حق العودة.
وبعيدًا أيضًا عن السقوط الأخلاقي في هذه النتيجة، فإنّ اللاجئ الفلسطيني الذي جرّدته من حقه في العودة، باعترافك أنّ الكيان الذي اغتصب أرضه وهجّره هو المالك الشرعي لتلك الأرض، سيصبح اللاجئ الفلسطيني في لبنان مشكلة لبنانية، وليس أزمة دولية، وعلى لبنان إمّا تجنيس كل هذه الكتلة البشرية، وهو ما يشكّل ــ حسب الأدبيات اللبنانية والتوازنات اللبنانية ــ خطرًا وجوديًا سيغيّر هوية لبنان إلى الأبد، أو سيضطر لبنان للعمل على تهجيرهم إلى مكانٍ لم يجده أحدٌ بعد، لأنّ الدول حتى اللحظة تخشى من عواقب المشاركة في جريمة حرب، وقد سعى الكيان وخلفه الولايات المتحدة، على مدار عامين من حرب الإبادة، لإيجاد أيّ ثقبٍ أسود على هذا الكوكب ليبتلع هذه الكتلة البشرية، ولم يجدا ولن يجدا، إلّا إذا كانت السلطة في لبنان اكتشفت حلًا لمعضلة القرن.
ويبقى خيارٌ ثالث، بما أنّها أسقطت حق العودة، فعليها التعامل مع اللاجئ الفلسطيني باعتباره مقيمًا دائمًا، يتمتع بكل الحقوق المدنية والسياسية باستثناء الترشح لمناصب نيابية وسياسية، من حق التعليم والطبابة والعمل والتملك والسكن، وكل الحقوق المكفولة دوليًا حسب قوانين ومنظمات حقوق الإنسان.
كذلك فإنّ التفاوض المباشر يُسقط حق لبنان بالتمسك بما يُعرف بالمبادرة العربية، التي تم إقرارها في قمة بيروت عام 2002، والتي تتضمن حق العودة، وللمفارقة كان لبنان ممثلًا برئيسه حينها إميل لحود، وهو من أصرّ على إضافة البند المتعلق بحق العودة، وبعد ما يزيد على عقدين من ذلك الإصرار في تلك القمة، تذهب سلطة لبنان مختارةً للتنازل عن كل شيء مقابل لا شيء إلّا العار.
فهذا مسارٌ لا يؤدي سوى لما يُسمّى باتفاقيات "أبراهام"، وهو استسلامٌ مطبق، سيجعل لبنان ملحقًا بوزارة الشؤون المدنية في الكيان، ولن يكون أحسن حالًا من الضفة الغربية في بضع سنين.
ولكن مشكلة هذه الافتراضات أنّه لن يبقى منها سوى عارها، لأنّ في لبنان شعبًا دفع أزكى الدم وأطهر الأرواح على مذبح الكرامة، ولا يزال يقدم الأدلة كل ساعة على أنّه مستعدٌ لدفع المزيد، في سبيل حماية أرضه وكرامته وصون وطنه، وسيقفون سدًا منيعًا أمام انزلاق لبنان إلى مستنقع نتنياهو، وهذا يقينٌ لا احتمال.