اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدو الصهيوني يدمر حسينية بلدة سحمر.. وأضرار واسعة في الأبنية والمحال المجاورة

مقالات

بين عيد الغدير والسيادة الوطنية.. قراءة جيوسياسية لخطاب أمين عام حزب الله 
🎧 إستمع للمقال
مقالات

بين عيد الغدير والسيادة الوطنية.. قراءة جيوسياسية لخطاب أمين عام حزب الله 

84

أكاديمية متخصصة في الجيوسياسة 

صحيح أن خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في ذكرى رحيل الإمام الخميني(قده)، هو موقف سياسي مرتبط بظرف أمني محدّد؛ لكنّه بدا أقرب إلى بيان جيوسياسي متكامل يعيد رسم موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية، في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط).

على خلاف الخطابات السياسية التقليدية التي تركز على الوقائع الميدانية أو المطالب التفاوضية المباشرة؛ انطلق الشيخ نعيم قاسم من مرجعية فكرية وعقدية، حملها الإمام الخميني (قدس) والثورة الإسلامية الإيرانية، ليؤكد أن الصراع الدائر لا يُفهم من منظور حدودي أو عسكري ضيق، إنّما هو مواجهة تاريخية بين مشروعين متناقضين: مشروع المقاومة والاستقلال من جهة، ومشروع الهيمنة الأميركية – "الإسرائيلية"، من جهة أخرى.

غير أن أهمية الخطاب لا تكمن في استحضار فكر الإمام الخميني (قدس)، وحسب، أيضًا في تزامنه مع عيد الغدير؛ فمن هذا المنطلق يمكن فهم بعد الخطاب الرمزي والسياسي. إذ لم يكن الحديث عن الغدير استحضارًا عابرًا لذكرى دينية، هو إعادة تأكيد بحمل وتبني منظومة قيمية وأخلاقية، ترى أن القيادة يجب أن ترتبط بالعدالة والدفاع عن المظلومين ورفض الخضوع للهيمنة.

بناء على هذه الرؤية؛ خطاب الأمين العام لا يقدم الانتماء إلى مدرسة أهل البيت (ع)، كونه بديلًا عن الانتماء الوطني، بل يراه رافعة أخلاقية وروحية تعزز الدفاع عن الوطن وسيادته. إذ وفقًا للرؤية التي يعبر عنها حزب الله، لا يوجد تناقض بين الالتزام العقدي بخط أهل البيت (ع) وبين الانتماء إلى لبنان والدفاع عن أرضه وشعبه، هي المقاومة نفسها تُقدَّم بصفتها تجسيدًا عمليًا لهذا التلاقي بين العقيدة والوطنية. لذلك؛ استحضار الإمام الحسين (ع) والإمام الخميني (قدس) لا يُطرح بديلًا عن الدولة اللبنانية، هو مصدر إلهام أخلاقي للمواجهة ضدّ الاحتلال والعدوان.

جيوسياسيًا، يكشف الخطاب رؤية ترى أن ما يجري في لبنان ليس صراعا لبنانيًا – "إسرائيليًا" فحسب، هو جزء من عملية إعادة تشكيل شاملة لـمنطقتنا. لذلك؛ رفض الشيخ نعيم قاسم ما سُمي "إعلان واشنطن"، فبرأيه هو ليس مجرد مبادرة أمنية أو سياسية، إنه يشكل خريطة طريق تهدف إلى دمج لبنان ضمن توازنات إقليمية جديدة تُفضي إلى تفوق استراتيجي دائم للكيان الصهيوني.

في هذا السياق؛ يظهر مفهوم السيادة في خطاب الأمين العام بمعنى مختلف عن المفهوم السائد في الفكر السياسي الغربي. بينما ترتبط السيادة، في الأدبيات الغربية، باحتكار الدولة للسلاح، يربط حزب الله السيادة بامتلاك القدرة الفعلية على ردع العدو الاسرائيلي، قدر الإمكان، ومنعه من فرض شروطه على لبنان. من هنا؛ يصبح نزع سلاح المقاومة، طبقًا لهذه الرؤية، مدخلًا لإضعاف الدولة لا لتعزيزها.

اللافت، أيضًا، أن الخطاب كرر بوضوح الربط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية. إذ شكر الشيخ قاسم الجمهورية الاسلامية الايرانية على دعمها الدائم للمقاومة الاسلامية في لبنان. هذا الشكر لم يأتِ في إطار المجاملة السياسية، هو ضمن خط استراتيجي عملي يرى أن المواجهة ضدّ الكيان الصهيوني والولايات المتحدة تشكّل جبهة واحدة متعددة الساحات. هذا ما يعكس استمرار فكرة  "وحدة الساحات"، والتي أصبحت أحد مرتكزات محور المقاومة الأساسية، خلال السنوات الأخيرة.

أما موقف سماحته من "إعلان واشنطن"؛ فيتجاوز الاعتراض على بند نزع السلاح وحده. إذ إن الخطاب يعكس قناعة بأن الإعلان لا يتضمن معالجة حقيقية لجذور "الأزمة اللبنانية – الإسرائيلية"، إنما يركز على إعادة ترتيب الواقع الأمني بطريقة تؤدي إلى تغيير ميزان القوى الداخلي والإقليمي لمصلحة "إسرائيل".

انطلاقًا من هذه القراءة، لا يقدم الإعلان ضمانات واضحة وملزمة بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا يضع آلية محددة تضمن عودة النازحين إلى قراهم الحدودية، ولا يتضمن تعهدات واضحة تتعلق بإطلاق الأسرى اللبنانيين. تاليًا؛ "الاتفاق،" وفقًا لرؤية الحزب، لا ينقل لبنان من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة التحرير، بل من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة إدارة الصراع وتجميده.

يزداد الأمر خطورة، من وجهة نظر الحزب، مع الحديث عن ترتيبات أمنية ومناطق خاصة ينتشر فيها الجيش اللبناني في الجنوب؛ فالمشكلة ليست في انتشار الجيش بحد ذاته. إذ يؤكد خطاب الشيخ نعيم دعمه للمؤسسة العسكرية ولدورها الوطني، إنما هناك احتمال أن تتحوّل تلك المناطق إلى خطوط فصل تمنع المقاومة من ممارسة الضغط العسكري على الاحتلال، في الوقت الذي تعجز فيه الدولة اللبنانية عن فرض انسحاب "إسرائيل" بالقوة أو إلزامها بتنفيذ تعهداتها.

في هذه الحال؛ يصبح الخطر مضاعفًا. إذ من جهة تستطيع قوات الاحتلال الاسرائيلية الإفادة من الهدوء النسبي؛ لتثبيت مواقعها وتحويل احتلالها المؤقت إلى واقع دائم، وحتى إلى إستيطان.. ومن جهة ثانية؛ قد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام انقسام داخلي حيال كيفية التعامل مع هذا الواقع. إذا بقي الاحتلال قائمًا، وأصبحت المقاومة مقيّدة بحكم الترتيبات الجديدة، فإن التناقض لن يبقى بين لبنان و"إسرائيل" وحسب، سينتقل أيضًا إلى الداخل اللبناني نفسه، الأمر الذي يراه حزب الله مدخلًا خطيرًا لزرع بذور الفتنة والانقسام الأهلي والإضرار بالسلم الوطني.

لهذا السبب؛ يصر الأمين العام في خطابه على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان الشامل والانسحاب "الإسرائيلي" الكامل وعودة النازحين إلى قراهم وإطلاق الأسرى اللبنانيين وإعادة الإعمار، قبل الانتقال إلى أي نقاش داخلي في القضايا السياسية أو الأمنية الأخرى. إذ بالنسبة إلى الحزب، لا يمكن بناء استقرار حقيقي فوق وقائع الاحتلال أو فوق تسويات لا تعالج أسباب الصراع الأساسية.

في الوقت نفسه؛ يكشف الخطاب المعضلة المركزية، والتي ما تزال تشكل محور الانقسام اللبناني منذ عقود. إذ من جهة، يؤكد حزب الله تمسكه بالدولة اللبنانية وسيادتها ووحدتها الوطنية، ومن جهة أخرى يؤكد انتماءه الفكري والعقدي إلى مدرسة سياسية – دينية عابرة للحدود، جُددت في إطار الثورة الإسلامية الإيرانية. إلا أن خطاب الأمين حاول تقديم هذين البعدين بوصفهما متكاملين لا متناقضين، انطلاقًا من أن المرجعية العقدية تشكل حافزًا للدفاع عن لبنان لا بديلًا عن هويته الوطنية.

في المحصلة؛ لا يمكن قراءة خطاب الشيخ نعيم قاسم بصفته خطابًا تفاوضيًا هدفه تقديم حلول أو تسويات.. إنه، في جوهره، خطاب تثبيت الهوية وإعادة تعريف الصراع. المسألة بالنسبة إلى حزب الله لا تتعلق بوقف إطلاق النار أو الانسحاب "الإسرائيلي"، بل بالحفاظ على موقع المقاومة داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية، كونها قوة دفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة الاحتلال. من هنا؛ يمكن فهم رسالة الخطاب المركزية؛ وهي/ لن يكون هناك سلام أو استقرار دائم في لبنان إذا كان ثمنه إنهاء عناصر القوة، والتي يعدها قسم واسع من اللبنانيين ضمانة للدفاع عن الأرض والسيادة والاستقلال.

الكلمات المفتاحية
مشاركة