اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إيران تردّ على تقرير الوكالة الذرية: عليها تجنّب الضغط السياسي

مقالات

لماذا أصبح لبنان بعد بيان واشنطن أكثر خطرًا مما قبله؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

لماذا أصبح لبنان بعد بيان واشنطن أكثر خطرًا مما قبله؟

123

لا تكمن خطورة البيان الثلاثي الصادر بعد اللقاء اللبناني-"الإسرائيلي"-الأميركي في كونه مجرد إعلان سياسي عابر، بل في أنه يعيد رسم الإطار الذي يُفهم من خلاله الصراع في لبنان وعليه. فالبيان لا يتعامل مع أصل المشكلة بوصفه احتلالًا وعدوانًا "إسرائيليًا" مستمرَّين، بل ينقل مركز الثقل إلى الداخل اللبناني، بحيث تصبح المقاومة وسلاحها هي المشكلة الأساسية، فيما تتحول "إسرائيل" من طرف معتدٍ إلى طرف يطالب بضمانات أمنية.

بهذا المعنى، منح البيان المطالب "الإسرائيلية" غطاءً سياسيًا لبنانيًا وأميركيًا. فهو لم يشترط وقف العدوان بإنهاء الاحتلال أو انسحاب "إسرائيل" من النقاط المحتلة، بل ربط الاستقرار بإعادة ترتيب الوضع الأمني جنوب الليطاني وفق شروط تلبي الرؤية "الإسرائيلية". وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: بدلًا من أن تضغط السلطة السياسية اللبنانية باتجاه وقف الحرب وعودة الأهالي إلى قراهم، بدت وكأنها توافق ضمنًا على استمرار واقع التهجير والضغط العسكري، طالما أن المقاومة لم تخضع للشروط المطلوبة.

الأخطر أن هذا المسار يمنح العدو مشروعية الاستمرار في الحرب. فحين تُصاغ المشكلة باعتبارها مشكلة "سلاح داخلي" لا مشكلة احتلال وعدوان، يصبح استمرار القصف والتهديد والتهجير قابلًا للتبرير تحت عنوان "الضغط لتنفيذ الترتيبات الأمنية". وبذلك لا يعود العدو وحده مسؤولًا عن استمرار الحرب، بل يُعاد تحميل جزء من المسؤولية إلى المقاومة، وكأن رفضها للشروط الإسرائيلية هو سبب العدوان لا نتيجته.

كما أن البيان يمسّ بجوهر السيادة اللبنانية. فهو يكرّس عمليًا حرية العمل العسكري "الإسرائيلي"، ويجعل الولايات المتحدة المرجعية الحصرية للتفاوض والتسوية، ويحوّل الجيش اللبناني من قوة سيادية وطنية إلى أداة تنفيذ أمنية مرتبطة بمعايير وضمانات خارجية. وهذا لا يضعف صورة الجيش فقط، بل يهدد بدفعه إلى مواجهة مباشرة مع جزء من المجتمع اللبناني، لا بوصفه مؤسسة جامعة، بل بوصفه طرفًا مكلّفًا بتنفيذ ترتيبات مفروضة من الخارج.

داخليًا، يفتح البيان الباب أمام إعادة هندسة التوازنات السياسية اللبنانية. فهو يعمّق الانقسام بين من يرى في المقاومة عنصر حماية وردع، ومن يريد تحويلها إلى عبء أمني داخلي. كما يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمقاومة على قاعدة الإخضاع لا التكامل، ويمنح السلطة السياسية دورًا وظيفيًا في إدارة الضغط على بيئة لبنانية واسعة بدلًا من حماية السيادة الوطنية.

أما استراتيجيًا، فإن البيان يعزل لبنان عن أوراق قوته الإقليمية. فإدخاله في مسار تفاوضي منفرد، وتحييد عناصر الضغط التي كانت تمنحه هامش مناورة، يعني تقليص قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض من موقع قوة. وهذا يفتح الطريق أمام تحويل الوقائع العسكرية المؤقتة، مثل التهجير والانتشار والضغط الأمني، إلى ترتيبات سياسية طويلة الأمد، وربما إلى مسار تطبيع تدريجي تحت عنوان الاستقرار.

لذلك، يمكن فهم رفض حزب الله والرئيس نبيه بري للبيان باعتباره رفضًا لمنطق سياسي كامل، لا لمجرد صياغة دبلوماسية. فالمشكلة ليست في بند منفصل، بل في الإطار العام الذي يحاول نقل لبنان من موقع الدولة المعتدى عليها إلى موقع الدولة المطالبة بتنفيذ الشروط الأمنية للعدو. وهذا هو جوهر الخطر: أن يتحول وقف الحرب من مطلب لبناني عادل إلى أداة ضغط على الداخل اللبناني، وأن تتحول السيادة من حق وطني إلى ملف تفاوضي تديره واشنطن وفق الأولويات "الإسرائيلية".

في الخلاصة، لبنان بعد بيان واشنطن أكثر خطرًا مما قبله لأن البيان لا يوقف العدوان، بل يعيد تعريفه؛ لا يحمي السيادة، بل يقيّدها؛ لا يوحّد الداخل، بل يدفعه نحو الانقسام، ولا يضع "إسرائيل" أمام مسؤوليتها، بل يمنحها هامشًا أوسع لمواصلة الحرب والتهجير والابتزاز السياسي. ومن هنا فإن خطورته لا تكمن فقط في ما قاله، بل في المسار الذي يريد أن يفتحه: مسار يجعل لبنان يدفع ثمن العدوان مرتين، مرة تحت النار، ومرة تحت عنوان التسوية.

ومع ذلك، فإن خطورة هذا المسار لا تعني حتمية نجاحه. فالتجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أظهرت أن العديد من المشاريع التي سعت إلى فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة اصطدمت بعوامل داخلية حالت دون ترجمتها إلى حقائق دائمة. وفي هذا السياق، تبدو وحدة الموقف السياسي بين حركة أمل وحزب الله، ورفضهما المشترك للبيان الثلاثي وللمنطق الذي يحكمه، عاملًا أساسيًا في تعطيل هذا المسار ومنعه من التحول إلى أمر واقع.

فجوهر الصراع لا يزال يدور حول محاولة فرض معادلة سياسية تنطلق من نتائج القوة العسكرية الإسرائيلية، في مقابل إصرار المقاومة وحلفائها على ربط أي تسوية بإنهاء الاحتلال والعدوان واستعادة الحقوق اللبنانية. ومن هنا، فإن قدرة هذا المشروع على التقدم تبقى مرتبطة بمدى نجاحه في فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة، وهو أمر لا يزال موضع نزاع ومواجهة.

وفي المقابل، فإن الرهانات المعلّقة على المقاومة لا تقتصر على إحباط هذا السيناريو ومنع تكريس ترتيبات تنتقص من السيادة اللبنانية، بل تمتد أيضًا إلى تحقيق الأهداف التي شكّلت أساس المواجهة منذ بدايتها: تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم من دون شروط أو قيود، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في المناطق التي تعرضت للعدوان.

وعليه، فإن مستقبل المرحلة المقبلة لن يتحدد فقط بما ورد في البيان الثلاثي أو بما تسعى إليه الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بل أيضًا بقدرة القوى الرافضة له على منع تحويل الوقائع العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات سياسية دائمة، وعلى إعادة توجيه النقاش نحو أصل المشكلة المتمثل في الاحتلال والعدوان، لا نحو النتائج التي يسعى الاحتلال إلى فرضها على لبنان تحت عنوان التسوية والاستقرار.

الكلمات المفتاحية
مشاركة