مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
لم يكن المشهد الذي ظهر فجأةً على تخوم جبهة الجنوب حدثًا عابرًا في سياق الحرب، بل بدا وكأنه فصل جديد في معادلة الصراع. فبعد خمسة عشر شهرًا من وقف إطلاق النار، وبعد حملة عسكرية وأمنية واستخبارية قاسية استهدفت بنية المقاومة في لبنان، ظنَّ كثيرون أن هذه الجبهة قد دخلت مرحلةً من الشلل الطويل. لكن ما جرى على الأرض كشف العكس تمامًا.
فجأةً، وعلى مسافة صفر من مواقع العدو الإسرائيلي، عادت الاشتباكات المباشرة. دبابات تُستهدف وتُدمَّر، آليات تُضرَب، وصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى تنطلق من الجنوب لتصل إلى عمق الشمال الفلسطيني حتى حيفا. وفي الوقت نفسه، مسيّرات تحلّق في أجواء الكيان لساعات، تجوب سماءه وتخترق دفاعاته دون أن ينجح في إسقاطها أو منعها، ومن ثم توجيه إنذار إلى كل المستوطنات الشمالية التي تقع على عمق ٥ كلم من الحدود الدولية لإخلائها.
السؤال الذي فرض نفسه بقوة: كيف ظهرت هذه القوة مجددًا؟ ومن أين أتت؟
خلال الأشهر الخمسة عشر التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار، ساد اعتقاد لدى العدو أن الضربات التي وجّهها للمقاومة، مقرونةً بالحصار العسكري والأمني المشدد جنوب الليطاني، كفيلة بتجفيف منابعها. أيضًا فإن التقديرات الإسرائيلية ذهبت إلى أن عمليات التفتيش والمراقبة المكثفة في تلك المنطقة أدت إلى مصادرة ما تبقى من أسلحة وذخائر، والحيلولة دون إعادة بناء القدرات العسكرية.
غير أن ما حدث على الأرض كشف خللًا عميقًا في هذه التقديرات.
فالمقاومة، التي نشأت أصلًا في ظروف أصعب بكثير من تلك التي تمر بها اليوم، لم تكن تنظيمًا تقليديًا يعتمد على قواعد عسكرية ظاهرة أو مخازن سلاح مكشوفة، بل هي بنية قتالية مرنة، تتكيّف مع الضربات وتعيد تشكيل نفسها باستمرار. وخلال الأشهر الماضية، يبدو أنها كانت تعمل بصمت، بعيدًا عن الأضواء، لإعادة تنظيم صفوفها وترميم قدراتها.
لم يكن ظهورها المفاجئ إذًا وليد لحظة، بل نتيجة عمل طويل تحت الأرض وفوقها، في شبكة معقدة من التحضير والإخفاء والتخطيط. فالعناصر التي ظهرت على خطوط الاشتباك لم تصل فجأةً من خارج المنطقة، بل كانت موجودةً فيها أو حولها، ضمن بنية تنظيمية سرية تجعل اكتشافها أمرًا بالغ الصعوبة، ما يدل على أن المقاومة تداركت الخرق الأمني الخطير الذي قامت به "إسرائيل" وتمكنت من القضاء على عدد لا يُستهان به من قياداتها وكوادرها.
أما السلاح الذي استُخدم في هذه العمليات، فهو دليل آخر على أن القدرة العسكرية للمقاومة لم تُستأصل كما اعتقد العدو. فاستهداف الدبابات يتطلب منظومات مضادة للدروع كصواريخ كورنيت، وإطلاق الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى يحتاج إلى منصات وتجهيزات لوجستية، وتشغيل المسيّرات يستدعي منظومات تحكم وتوجيه معقدة. كل ذلك يشير إلى أن البنية العسكرية ما زالت قائمةً، وإن كانت تعمل بأساليب أكثر حذرًا ومرونة، وبتكتيكات معقدة لم تعد تستطيع "إسرائيل" كشفها.
الأهم من ذلك أن هذه العمليات أعادت التأكيد على أحد عناصر قوة المقاومة الأساسية: القدرة على التعافي السريع بعد الضربات. فقد تعرضت خلال الحرب الماضية لخسائر كبيرة، سواء في القيادات أو في البنية التحتية أو في مخازن السلاح، لكن التجارب السابقة أظهرت أن هذه الضربات، مهما كانت قاسية، لم تنجح في إنهاء قدرتها القتالية.
بل إن هذه القدرة على النهوض بعد كل جولة أصبحت جزءًا من معادلة الردع نفسها. فكلما اعتقد العدو أنه نجح في كسر هذه القوة، عادت لتظهر من جديد بصورة مختلفة، وبأساليب قتال متجددة.
ما جرى في الجنوب خلال الأيام الأخيرة ليس مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل رسالة استراتيجية أيضًا، رسالة تقول إن الجبهة التي ظنَّها العدو قد أُغلقت، ما زالت حيَّة، وإن القوة التي اعتقد أنه نجح في تفكيكها ما زالت قادرةً على المبادرة والمفاجأة.
وهكذا، يعود السؤال الذي يتكرر بعد كل جولة من الصراع: هل أخطأ العدو مرةً أخرى في تقدير طبيعة هذه المقاومة؟
التاريخ القريب يوحي بأن الإجابة، مرةً أخرى، نعم وبالتأكيد نعم. فها هي عادت لتفرض معادلة ردع جديدة رغم الأثمان الباهظة التي تدفعها بيئتها وممتلكاتها.