مقالات
لم يكن اغتيال قائد الجمهورية الإسلامية، الإمام الخامنئي، في الحسابات الأميركية و"الإسرائيلية" مجرّد عملية عسكرية تستهدف رأس النظام، بل كان خطوة ضمن تصور استراتيجي أوسع يقوم على فرضية أساسية: أن إزالة القائد الأعلى ستؤدي إلى اهتزاز بنية النظام الإيراني من الداخل، وتفتح الباب أمام تفككه أو على الأقل إعادة تشكيله وفق معادلات سياسية أكثر قرباً من المصالح الغربية. غير أن التطورات التي أعقبت الاغتيال، وخصوصاً انتخاب السيد مجتبى الخامنئي ولياً فقيهاً جديداً، كشفت أن تلك الفرضيات لم تكن دقيقة، وأن النظام الإيراني استطاع تحويل لحظة الاستهداف القصوى إلى لحظة إعادة تثبيت وتماسك.
أولاً: سقوط رهان الفراغ القيادي
الرهان الأول الذي بُنيت عليه الحسابات الأميركية و"الإسرائيلية" كان يقوم على فكرة الفراغ القيادي انطلاقًا من كونه رأس هرم السلطة في ايران. وافترضت واشنطن وتل أبيب أن اغتيال المرشد الأعلى سيخلق حالة من الارتباك داخل هرم السلطة في طهران، وربما يفتح الباب أمام صراعات داخلية بين مراكز القوى المختلفة، مثل الحرس الثوري، والمؤسسة الدينية، والتيارات السياسية المتعددة.
لكن ما حدث فعلياً كان معاكساً تماماً لهذا التصور. فقد جرى تفعيل الآليات الدستورية بسرعة ملحوظة، وجرى تشكيل مجلس القيادة المؤقت وفقاً لنصوص الدستور، ثم انتقل النظام بسلاسة إلى اختيار القيادة الجديدة. هذه السرعة في إدارة الانتقال لم تكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية مفادها أن الجمهورية الإسلامية ليست نظاماً قائماً على فرد، بل منظومة مؤسساتية تمتلك آليات واضحة لإدارة لحظات التحول.
وبذلك سقط الرهان الأول: بدلاً من الفراغ، ظهر تماسك مؤسسي أكد أن النظام قادر على امتصاص الصدمات الكبرى.
ثانياً: فشل رهان الانقسام داخل النظام
الفرضية الثانية التي راهنت عليها واشنطن و"تل أبيب" كانت أن اغتيال المرشد سيؤدي إلى انقسام داخل بنية النظام. فقد اعتُقد أن غياب الشخصية التي كانت تمثل نقطة التوازن بين المؤسسات المختلفة سيؤدي إلى صراع بين مراكز القوة، وربما إلى انشقاقات داخل النخبة السياسية والعسكرية.
إلا أن مسار الأحداث أظهر العكس. فبدلاً من التنافس الداخلي، شهدت إيران حالة من الالتفاف حول النظام. وقد لعب الحرس الثوري دوراً مركزياً في هذا السياق، ليس فقط عبر الاستمرار في العمليات العسكرية ضد الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بل أيضاً عبر المساهمة في تثبيت الاستقرار السياسي الداخلي.
إن هذا التماسك يعكس حقيقة بنيوية في النظام الإيراني: فشبكة المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية التي بُنيت على مدى أكثر من أربعة عقود قادرة على العمل حتى في غياب القائد الأعلى لفترة انتقالية، ما يجعل عملية تفكيكها أكثر تعقيداً مما تصوّره المخططون في واشنطن وتل أبيب.
ثالثاً: سقوط رهان الشارع والمعارضة
كان الرهان الثالث يتمثل في احتمال أن يؤدي اغتيال المرشد الأعلى إلى تحريك الشارع الإيراني وإعطاء دفعة قوية لقوى المعارضة. وقد استند هذا الرهان إلى تقدير مفاده أن الصدمة السياسية قد تفتح المجال أمام احتجاجات واسعة تستغلها القوى المناهضة للنظام.
لكن هذه الفرضية لم تتحقق. فبدلاً من انفجار داخلي، شهدت إيران حالة من التعبئة الوطنية في مواجهة ما اعتُبر عدواناً خارجياً يستهدف سيادة الدولة. وفي مثل هذه الحالات، غالباً ما تؤدي الضربات الخارجية إلى نتيجة معاكسة لما يُراد منها، إذ تعزز الشعور القومي وتدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الاصطفاف خلف الدولة.
رابعاً: دلالة اختيار السيد مجتبى الخامنئي قائدًا أعلى
في هذا السياق، يكتسب انتخاب السيد مجتبى الخامنئي أهمية سياسية خاصة. فالرجل لا يُنظر إليه داخل النظام باعتباره مجرد امتداد عائلي لوالده، بل كشخصية تتمتع بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري وبحضور مؤثر داخل دوائر القرار.
فاختياره يبعث بعدة رسائل استراتيجية:
رسالة الاستمرارية: أي أن السياسات الأساسية للجمهورية الإسلامية لن تتغير نتيجة الضغوط العسكرية أو السياسية.
رسالة التماسك الداخلي: إذ يعكس الاختيار توافقاً بين المؤسسات الرئيسية للنظام.
رسالة الردع السياسي: مفادها أن محاولة تغيير النظام عبر استهداف قيادته لن تؤدي إلى النتيجة المرجوة.
خامساً: إعادة تشكيل المعادلة الاستراتيجية
إن انتخاب السيد مجتبى الخامنئي لا يمثل مجرد انتقال في القيادة، بل يمكن اعتباره لحظة إعادة تشكيل للمعادلة الاستراتيجية في الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فبدلاً من أن يؤدي اغتيال المرشد الأعلى إلى إضعاف إيران، قد دفع ذلك إلى تعزيز التماسك الداخلي وإعادة تثبيت العقيدة الاستراتيجية للنظام. كما أن استمرار العمليات العسكرية الإيرانية بعد الاغتيال يشير إلى أن قدرة الدولة على إدارة المواجهة لم تتأثر بالضربة التي استهدفت رأس النظام.
سادساً: إحباط الرهان الأميركي على “تغيير المسار”
كانت واشنطن تأمل أن يؤدي اغتيال الخامنئي إلى وصول قيادة جديدة أكثر استعداداً للتجاوب مع المطالب الأميركية، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي أو بدور إيران الإقليمي. لكن انتخاب شخصية معروفة بقربها الفكري والسياسي من خط الإمام الشهيد يشير إلى أن المسار الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية سيستمر دون تغيير جوهري.
ولهذا السبب تحديداً جاء تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب معبّراً عن عدم رضاه عن هذا التطور، إذ يعكس إدراكاً بأن الرهان على تغيير القيادة لم يحقق النتائج المرجوة.
في الختام، تكشف تجربة اغتيال القائد الأعلى وانتخاب السيد مجتبى الخامنئي أن الرهانات الأميركية و"الإسرائيلية" على تفكك النظام الإيراني كانت تقوم على فرضيات مجانبة للواقع، فبدلاً من الانهيار أو الانقسام، أظهر النظام قدرة على إعادة إنتاج نفسه بسرعة، وتحويل لحظة الاستهداف إلى لحظة تثبيت.
وبذلك يمكن القول إن عملية انتخاب القائد الأعلى الثالث للجمهورية الإسلامية لم يكن مجرد حدث داخلي في إيران، بل شكل نقطة تحول سياسية واستراتيجية أحبطت رهانات واشنطن وتل أبيب، ورسّخت معادلة جديدة مفادها أن تغيير مسار الجمهورية الإسلامية عبر الضغوط العسكرية المباشرة ليس مهمة سهلة، بل قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج معاكسة تماماً لما كان يُراد تحقيقه.