مقالات مختارة
يحيى دبوق – صحيفة الأخبار
تكشف الحرب مع إيران خللًا متجدّدًا في حسابات دونالد ترامب، بين توقّع نصر سريع وإمكانية فرض نهاية أحادية للصراع، فيما يفرض صمود طهران واقع استنزاف يعقّد مسار الخروج من الحرب.
يبدو أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعاد إنتاج أخطاء التقدير ذاتها في مقاربته للحرب مع إيران، ولا سيما عندما بدأ الحديث عن إنهائها، إذ انطلقت حساباته من افتراضَين أساسيين، ثبت مع مرور الوقت أنهما موضع إشكال: يتمثّل الأول في الاعتقاد بأن الحرب ستكون خاطفة وحاسمة وقادرة على تحقيق نتائج كاملة خلال زمن قصير، وكأنها تكرار لنماذج سابقة نجحت فيها الولايات المتحدة في إخضاع خصومها سياسيًا. أمّا الافتراض الثاني، وهو امتداد مباشر للأول، فهو الظنّ بإمكانية إنهاء الحرب بقرار أميركي أُحادي، على أساس أن الطرف المقابل سيجد نفسه مضطراً، أو متلهّفاً، للوصول إلى نهاية كهذه.
هكذا، وبدلًا من الانطلاق من معطيات الواقع وتعقيداته، يجري دمج ما هو مأمول بما هو قائم، لتتحوّل الأهداف السياسية إلى حقائق مُفترضة في الخطاب، قبل أن تتحقّق فعلاً في الميدان. واتّساقاً مع تلك المقاربة الرغبوية، يتبنّى ترامب منطقاً بسيطاً ومباشرًا: تحديد الهدف الأقصى، ثمّ التعامل مع مسار الأحداث كما لو أن هذا الهدف أصبح قريباً من التحقّق. وبذلك، يصبح استسلام إيران حقيقة سياسية، يجري التعامل معها مُسبقاً، لا نتيجة يفترض أن تفرزها الوقائع العسكرية والسياسية.
على أن السردية الأميركية للحرب لم تكن واحدة على طول الخطّ، بل تطوّرت عبر مراحل متعاقبة. ففي بداياتها، برز الحديث عن إسقاط النظام الإيراني بوصفه هدفاً ضمنيًا أو صريحًا، ومن ثمّ تمّ الانتقال سريعاً إلى الإيحاء بأن إيرّان مضطرة إلى الاستسلام وطلب العفو من الولايات المتحدة. ومع تعذّر تحقيق هذَين الهدفَين، انزاح الخطاب إلى التركيز على تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، الصاروخية والبحرية وغيرها؛ غير أنه في ظلّ صمود إيران واستمرار ضرباتها، بدأ الترويج لتحقيق نتائج مبهرة، بلا تحديد أو تفصيل، مع التلميح إلى أن الحرب تقترب من نهايتها. وعقب ذلك، عاد الخطاب، مرة أخرى، ربما لضرورات الاتفاق نفسه ومتطلبات الدفع إليه، إلى التأكيد أن النهاية الحقيقية لا يمكن أن تتحقّق إلا عبر استسلام إيراني، غير مشروط.
تحوّلت الحرب تدريجيًا إلى نمط أقرب إلى الاستنزاف المتبادل
وتعكس تلك التحوّلات حقيقة اتّساع الفجوة بين الأهداف المُعلنة والنتائج المتحقّقة. فمع مرور الوقت، بدأت ملامح انسداد الأفق العسكري تظهر بشكل متزايد، لتتحوّل المواجهة تدريجيًا إلى نمط أقرب إلى الاستنزاف المتبادل. وعلى الرغم من الخسائر التي تعرّضت لها إيران، فإن هذه الخسائر لم تُترجم مؤشرات سياسية واضحة إلى تراجع استراتيجي أو استعداد للقبول بالاستسلام.
في المقابل، يبدو أن الإدارة الأميركية، وعلى رأسها ترامب، باتت تدرك حدود القدرة على فرض الحسم العسكري. غير أن هذا الإدراك لم يقترن إلى الآن بتعديل واضح في الخطاب السياسي، بل ترافق مع محاولة بناء سردية انتصار، تتيح الخروج من الحرب من دون الإقرار الصريح بالقصور عن بلوغ الأهداف. وهنا، يظهر الفارق الجوهري بين تحقيق الانتصار فعلاً، والاكتفاء بإعلانه سياسيًا، وهو فارق غالباً ما يكشفه الواقع نفسه، مهما بلغت قوة الخطاب الدعائي.
وإذا كانت نتائج الحروب تُقاس بقدرة كلّ طرف على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية ملموسة، فإن ثمّة حقائق أساسية في مسار هذه الحرب يجدر أخذها في الاعتبار في تقييم النتيجة: أولاها أن إيران لم تنكسر سياسياً، ولا تَظهر مهتمّة بإنهاء الحرب بالشكل الذي تطمح إليه واشنطن؛ وثانيتها، أن إيران، إلى جانب إرادة الصمود لديها والتي تمثّل عاملًا رئيسًا في المعادلة، لا تزال تمتلك قدرة فاعلة على الردّ والردع، وهو ما ترك تأثيره في مسار العمليات، وجعل استمرارها محفوفاً بكلفة متزايدة للطرفين.
وأمّا الحقيقة الثالثة، فتتصل بالكلفة التي تتحمّلها الولايات المتحدة و"إسرائيل" والحلفاء الإقليميون، والتي لا تقتصر على الخسائر العسكرية المباشرة الناتجة من الردود الإيرانية، بل تشمل الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، والضغط على القدرة التشغيلية في إدارة العمليات الهجومية والدفاعية على السواء. وبدأ هذا البعد يظهر بوضوح في النقاشات الأميركية الداخلية، حيث تزايدت التحذيرات من تداعيات استمرار الحرب على المديَين الفوري والمتوسط. ويضاف إلى ذلك، أن الرهانات السياسية التي عقدها ترامب على تحقيق نصر سريع، بدأت تتحوّل تدريجياً إلى عبء سياسي داخلي، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الاقتصادية، وعدم قدرة واشنطن على حشد تحالف دولي واسع يشاركها أعباء الحرب.
وهكذا، يتّضح أنه لو كان في مقدور الولايات المتحدة مواصلة العمليات العسكرية، وتحقيق مكاسب إضافية مع تقليل الخسائر، لما تولّد لديها دافع حقيقي إلى الإسراع في الحديث عن نهاية الحرب. على أن المعضلة الأساسية التي تواجه الإدارة الأميركية، لا تكمن في مسار المواجهة نفسها، بل أيضاً في كيفية الخروج منها. في هذا الإطار، تتزايد المؤشرات إلى تحرّك دبلوماسي نشط، عبر قنوات الوساطة، بهدف التوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار، في حين تشير التصريحات المتناقضة الصادرة عن ترامب إلى وجود مفاوضات غير مباشرة، تتخلّلها عملية شدّ وجذب حول شروط وقف إطلاق النار، والتي ستحرص الولايات المتحدة على أن تتيح لها تقديم النتيجة على أنها شكل من أشكال الانتصار. غير أن العقبة هنا، أن إيران لن تكتفي باعتبار صمودها إنجازًا، بل يبدو أنها تضع شروطها الخاصة مقابل القبول بوقف إطلاق النار، وهي شروط لم تتّضح ملامحها الكاملة بعد. ونتيجة لذلك، قد يؤدّي التباعد بين مطالب الطرفين إلى إطالة أمد الحرب، دافعاً بالتالي بكلّ منهما إلى تصعيد عملياته، ومحاولة تحسين موقعه التفاوضي، قبل الجلوس إلى الطاولة.