مقالات مختارة
راجانا حمية_صحيفة الأخبار
اندلعت الحرب في لبنان، فيما كان «صندوق غسان أبو ستّة لإغاثة الأطفال» يتابع علاج أطفال لبنانيين ضمن برنامج «أقوى» الذي ترعاه وزارة الصحة ومنظّمة «يونيسف»، وينتظر دفعةً من عائلات غزة لمتابعة علاجها. فتمّ تحويل 11 طفلاً مصاباً إليه، من أصل 259، وبدأ معهم مساراً علاجياً مُعقّداً.
عند تمعّنه في ملامحهم، يتذكّر جرّاح الترميم الفلسطيني غسان أبو ستة الإصابات التي شاهدها في غزة. تشوّهات وحروق من الدرجات القاتلة وشظايا متفرّقة لم تسلم منها العينان واليدان، ولا أي عضو في الجسم.
تشي التمزّقات في الأجساد الطريّة بشكل القتل الذي يُراد منه: التدمير، يقول أبو ستة، الذي يتابع اليوم حال الأطفال الـ 11 الذين نُقلوا إلى مستشفى الجامعة الأميركية، ليضافوا إلى عشرات آخرين لا يزالون يخضعون للعلاج لديه، من تداعيات الحرب السابقة. وهو ينتظر وصول آخرين تباعاً، بعد تحويلهم من لجنة الطوارئ الوطنية في وزارة الصحة، التي تقُسِّم الحالات وفقاً لطبيعتها، ونوع التدخّلات العلاجية التي تحتاج إليه.
يعتقد أبو ستةّ، بناءً على ما اطّلع عليه من إصابات، أن إسرائيل تركّز على استهداف المدنيين، وتسعى إلى تدمير حياة الأطفال منهم. فـ«الإصابات مُعقّدة بشكل كبير وتطاول كامل الجسم، بحيث إنها ليست متركّزة في مكان واحد»، تقول المديرة التنفيذية للصندوق، دارين دندشلي. وتضيف: «هناك وجوه مُشوّهة وضربات في الرأس والبطن والأقدام واليدين». وعلاج هؤلاء الأطفال الجرحى يحتاج إلى «تدخّل أكثر من اختصاص علاجي من الجراحة العامة إلى الترميمية إلى العظام إلى العيون إلى اختصاص الأنف والأذن والحنجرة وغيرها. ولذا، غالباً ما نحتاج في غرفة العمليات إلى أكثر من طبيب»، يشرح أبو ستّة.
الأطفال المصابون اليوم لا يزالون في بداية درب الجلجلة، والطريق نحو تعافيهم طويل ويحتاج إلى تدخّلات متراكمة. وفي هذا السياق، تشير دندشلي إلى أن خمسة من الأطفال اليوم موجودون في العناية المركّزة، فيما البقية لا يكادون يخرجون من عملية جراحية حتى يدخلوا أخرى، يلفتُ أبو ستّة الذي كان يتحضّر للدخول إلى غرفة العمليات لـ«إخراج شظية من عظمة الظهر» لطفلة صغيرة.
يتامى عادوا من الجحيم
كما حفظ أبو ستّة ودندشلي قصص أطفال غزة الذين يعالجهم الصندوق في لبنان، يحفظون اليوم قصص الأطفال الذين أتوا للتوّ من محرقة العدو، في سحمر والنبطية، بانتظار وصول الذين نجوا بحياتهم من جحيم النبي شيت، لكنهم لم ينجوا من التشوّهات والحروق التي سبّبها القصف العشوائي على البيوت الآمنة. حفظوا يتمهم، إذ إن معظمهم فقدوا أباً أو أماً أو الاثنين معاً، عدا الإخوة.
تروي دندشلي قصص بعضهم، فتغصّ عند الحديث عن طفلين أحدهما بعمر الأربع سنوات والآخر بعمر السنة، فقدا والديهما ولم يبق لهما سوى جارتهما التي تواسي فقدهما.
وتلفت إلى طفلة أخرى بعمر خمس سنوات ينتفض جسدها كلّما عادت إليها الذاكرة، وفهم الأطباء لدى عودة ذاكرتها للحظات «أن أمها استشهدت بعدما حمتها في حضنها من القصف». من بين الضربات التي تلقّتها هذه الطفلة ضربة على رأسها «تسبّبت في تأرجح الذاكرة بين الفقدان والعودة، وقد أثّر هذا الأمر أيضاً عليها، فكلما عادت ذاكرتها تسترجع اللحظات الأخيرة مع والدتها وينتفض جسدها من الحزن»، تقول دندشلي. وحتى اللحظة «ترفض فتح عينيها»، فهي لم تستوعب بعد ما حرمتها إياه الحرب وترفض التفاعل مع الحياة بشكلها الحالي. تحزن دندشلي والأطباء للحال التي صارت عليها الطفلة، لكن أكثر ما يُحزِنهم، عثور أبو ستّة على «شكلة» مغمّسة بالدم في شعرها المجبول بالتراب، عندما كان يحضّرها للعملية.
طحن المجتمع
ليست الصعوبة في تعدّد الإصابات وقساوتها فقط، وإنما أيضاً في «استهداف الناس في البيوت، وهو يشبه حرفياً ما حدث في الحرب على غزة»، يقول أبو ستّة، الذي يرى أن إسرائيل ترمي إلى طحن المجتمع، عبر «تدمير العائلة». لذا، يدعو إلى «دعم العوائل، وهذا يحتاج إلى جهد كبير». فما يُحيِّر الطبيب اليوم ليست تشعّب الإصابات، وإنما السؤال الذي لم يجد له جواباً في غزة، ولا يجد له جواباً اليوم في لبنان: «أنا إذا طلعتهم من المستشفى وين بدهم يروحوا بعد ما هدمت بيوتهم وراحت عائلاتهم؟» لذا، يطالب المسؤولين المعنيين بـ«احتضان هؤلاء الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم».
لا يفكّر أبو ستّة في عمله الطبي بالجراحة والترميم وتضميد الجروح فقط، وإنما يذهب أبعد من الطب. ففي الحرب ثمة مهمة أصعب من خياطة جرح أو ترميم طرف، وهي «ترميم الحياة». وهو ما يؤرق أبو ستّة، تماماً كما يؤرقه اليوم حال القطاع الطبي الذي يتعرّض هو الآخر للاستنزاف بسبب الحرب، بعدما «كان يعاني أصلاً من وضع صعب بسبب الأزمة المالية والحرب الماضية».
وعليه، يدعو إلى تعزيز صمود القطاع «الذي يشكّل المدافع الأول في وجه آلة الموت»، مطالباً بدعم مستشفيات الشمال والشمال الشرقي «استعداداً لما قد يأتي، ولكونها تحتاج إلى دعم أكثر من مستشفيات العاصمة». كما يدعو إلى اتخاذ إجراءات طارئة «قبل أن تنقطع الأوصال وتُعزل المناطق، كأن يعمل على تجهيز مستودعات لرفد هذه المؤسسات في الحالات الطارئة».