مقالات مختارة
يحيى دبوق- صحيفة "الأخبار"
مع اقتراب الحديث عن وقف محتمل لإطلاق النار، بدّلت إسرائيل خطابها حول الحرب على إيران، منتقلة من شعار "النصر الحاسم" إلى أهداف أكثر واقعية تقوم على إضعاف القدرات العسكرية لطهران وتعزيز الردع.
استبقت إسرائيل تبلور اتفاق مُحتمل لوقف إطلاق النار، بإعلان تعديل أهداف الحرب التي تشنّها إلى جانب الولايات المتحدة على إيران. فبدلاً من خطاب «النصر الحاسم» و»تغيير الشرق الأوسط» عبر إسقاط النظام الإيراني، بات الحديث يدور عن أهداف أكثر تحديداً، من مثل تقليص القدرات العسكرية لإيران، وإضعاف حلفائها الإقليميين، وتعزيز الردع. وفي تراجع لافت عن خطاب المواجهة الابتدائي، كشف مصدر عسكري إسرائيلي، لقناة «كان» العبرية، أن الهدف الاستراتيجي للحملة الحالية ضدّ إيران و»حزب الله»، يتركّز على تغيير موازين القوى عبر تقليص القدرات العسكرية لإيران وتدمير بنيتها الصاروخية من جهة، وإضعاف «حزب الله» بما يتيح إزالة التهديد عن الحدود الشمالية، وبناء رادع طويل الأمد يضمن لإسرائيل العودة إلى حياة آمنة نسبياً، من جهة ثانية. ويعكس هذا التراجع تحوّلاً من منطق الحسم إلى منطق إدارة المخاطر والاحتواء الاستراتيجي، وذلك في ظلّ تعقيدات الميدان وارتفاع كلفة الاستمرار في التصعيد.
وعلى الرغم من أن الأهداف الجديدة صيغت بطريقة يراد منها تظهير استمرار الاقتدار، إلا أن هذا التغيير لم يأتِ نتيجة اختيار طوعي بين بدائل استراتيجية متكافئة، بقدر ما يعكس تحوّلاً فرضته وقائع الميدان. فالهدف الذي رافق بداية المواجهة، تمثّل، بحسب ما تمّ التعبير عنه بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف النظام في إيران إلى حدّ دفعه نحو السقوط أو التسبّب في انهياره. غير أن مسار العمليات العسكرية كشف حدود القدرة على تحقيق الهدف المذكور، وهو ما دفع القيادة في إسرائيل إلى إعادة تعريف غايات الحرب، وفتح باب العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل اندلاع الجولة الأحدث، إنما مع الرهان على أن الخسائر التي لحقت بإيران ستُضعِف قدرتها على المبادرة أو التصعيد لفترة زمنية مُعتدّ بها.
قد يقال إن إسرائيل اختارت «المرونة الاستراتيجية»، والتكيّف مع واقع ميداني باتت تعقيداته غير قابلة للحصر، لكنّ التغيير في الأهداف لا يُقيَّم بناءً على القدرة الإسرائيلية فحسب، بل على حقيقة أن هذه حرب تخوضها أميركا بنفسها، وتشاركها إسرائيل فيها. وفي حرب هي في الأساس لا تناظرية بين الطرفين، حيث تميل كفة الميزان المادي إلى عدوَّي إيران، فإن الفشل في تحقيق غاياتها، معزوّ بداهة إلى قدرة الطرف الآخر، الإيراني، على كسر تلك الغايات.
وبنتيجة من ذلك الفشل، الذي ثمّة إقرار ضمني أميركي - إسرائيلي به، باتت واشنطن وتل أبيب تعتبران أن مواصلة الحرب ستقود إلى مزيد من الشيء نفسه، وإلّا لما كان التغيير ليحدث بالفعل. على أن الأهداف الجديدة جاءت ضبابية وغير قابلة للقياس الكمّي، ومرتكزةً على مفاهيم مرنة من مثل «إضعاف» الطرف الآخر و»إيجاد بيئة أكثر ملاءمة للأمن الإسرائيلي»، وهو ما يمنح صانع القرار مرونة في تمديد العمليات أو إنهائها وفق المتغيّرات السياسية. مع ذلك، فإن تبديل الأهداف لا يشير بالضرورة إلى قرب وضع الحرب أوزارها، بل قد يفتح الباب أمام إطالة أمدها من دون أن يكون ثمة معيار واضح لإنهائها، خصوصاً مع بدء الترويج لـ»انخفاض مستوى التهديد» أو «العودة إلى الحياة الآمنة».
وإذ يبدو التغيير الإسرائيلي استباقياً، وهادفاً إلى الحيلولة دون محاسبة صانع القرار في تل أبيب على تواضع ما حقّقته الحرب التي بادر إليها ووضع لها أهدافاً طموحة، فإن إدراك الإسرائيليين أن هذه الجولة باتت على وشك الانتهاء، وأن الولايات المتحدة قد تُقدِم على سحب يدها في أيّ لحظة، هو مما يفسّر أيضاً التراجع الاستباقي الإسرائيلي، في حرب ليس قرارها، بدءاً وإنهاءً، في يد تل أبيب على أي حال.