خاص العهد
في ظل ظرفية إقليمية شديدة التعقيد، وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى مدينة القدس المحتلة وما يحدث فيها من انتهاكات صهيونية بالتزامن مع يوم القدس العالمي، قدم المنسق الوطني للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع معاذ الجحري قراءة تفصيلية وشاملة للمشهد الراهن. ورأى الجحري أن ما تشهده المدينة المقدسة اليوم ليس مجرد اعتداءات عابرة، بل هو خطة ممنهجة تستهدف تصفية الوجود الإسلامي والمسيحي في المدينة.
استعرض الجحري في حديثه واقع المسجد الأقصى المبارك، مشيرًا إلى أن الاحتلال فرض إغلاقًا شاملًا ومنعًا تامًا للمصلين. وأوضح أن خطورة هذا الإجراء تكمن في توقيته خلال شهر رمضان المبارك، وفي كونه سابقة لم تحدث بهذا الشكل الفج منذ احتلال المدينة عام 1967.
وأشار الجحري إلى أن الهدف من هذا الحصار هو عزل المسجد الأقصى عن محيطه الشعبي، تمهيدًا لفرض تقسيم زماني ومكاني كامل، في ظل استغلال الاحتلال انشغال العالم بالمجازر المرتكبة في قطاع غزة.
غزة والقدس.. وحدة المصير وتدويل الصراع
ربط الجحري بشكل عضوي بين ما يحدث في القدس وبين معركة "طوفان الأقصى" في غزة، مؤكدًا أن القدس كانت وستظل البوصلة والمحرك الأساسي للفعل المقاوم. وأوضح أن القضية الفلسطينية انتقلت من حيز الصراع المحلي لتصبح قضية رأي عام عالمي بامتياز، ما وضع القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع ضمائر الشعوب.
وحمّل الجحري الإدارة الأميركية المسؤولية القانونية والأخلاقية عن استمرار تغطية جرائم الاحتلال، ورأى أن "الضوء الأخضر" الأميركي هو الذي يدفع بالمنطقة نحو حافة الانفجار الشامل الذي لن يسلم منه أحد.
سقوط رهانات "تغيير الأنظمة"
وسلط الجحري الضوء على التخبط في الاستراتيجيات الدولية تجاه القوى الإقليمية، وتحديدًا إيران. وأوضح التحليل أن الرهانات التي تبنتها بعض الدوائر في واشنطن و"تل أبيب" حول "إسقاط النظام" أو تفكيك الدولة الإيرانية قد اصطدمت بواقع صلب أثبت عدم جدواها.
وأضاف: "بينت المداولات أن القوى الكبرى باتت تدرك أن الذهاب نحو خيار "تدمير الكيانات" في الشرق الأوسط سيؤدي بالضرورة إلى حالة من "الفوضى العارمة" التي لا يمكن ضبطها، ما سيحول المنطقة إلى بؤرة استنزاف كبرى تؤثر في استقرار دول الجوار مثل تركيا وباكستان، وتهدد أمن الطاقة العالمي، وهو ما يفسر حالة التردد والارتباك في اتخاذ قرارات حاسمة بشأن المواجهة المباشرة".
التمسك بالخيار الشعبي
لم يغفل الجحري توجيه انتقادات لاذعة للمنظومة الرسمية العربية والإسلامية، واصفًا موقفها بـ"العجز المرتهن"، ومؤكدًا أن الفجوة بين الشعوب وأنظمتها باتت تتسع بشكل غير مسبوق.
وفيما يخص الداخل المغربي، انتقد الجحري بشدة قرار السلطات المحلية منع المسيرات التضامنية التي دعت إليها "المبادرة المغربية للدعم والنصرة"، مفندًا الحجج الأمنية التي تربط بين التضامن وبين "المساس بالنظام العام". وأكد أن نبض الشارع المغربي لا يمكن كبته، وأن الحق في التعبير عن نصرة فلسطين هو جزء من الهوية الوطنية التي لا تقبل المساومة.
الصمود الإيراني
وفيما يتعلق بالعدوان الصهيو-أميركي على إيران، تابع محدثنا: "استمرار الحرب لا يخدم مصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لعدة أسباب استراتيجية وهيكلية. أولها مقومات الصمود الإيراني". ويقول محدثنا إن إيران تمتلك "مصدات قوية تجعل من الصعب كسرها عسكريًا أو اقتصاديًا". وتتمثل هذه المقومات في الثقل الديموغرافي من خلال كتلة سكانية ضخمة تتجاوز 92 مليون نسمة، ما يوفر عمقًا بشريًا واجتماعيًا كبيرًا.
وكذلك القوة الاقتصادية والصناعية، إذ تُصنف إيران كسادس قوة اقتصادية في المنطقة، مع تميز خاص في قطاع الهندسة والتصنيع العسكري.
في مقابل ذلك يشير محدثنا إلى حالة التخبط السياسي الأميركي وإلى حالة من الضبابية في الرؤية السياسية الأميركية تحت إدارة ترامب، حيث يغيب الوضوح حول الأهداف الحقيقية للحرب، وسط تناقضات في التصريحات حول الملف النووي. أيضًا يوجد انقسام أو عدم فهم لدى الساسة في "الكونغرس" حول جدوى التصعيد الحالي.
ويؤكد محدثنا أن الضربات التي توجهها إيران ومحور المقاومة، خاصة عمليات المقاومة الإسلامية في لبنان، أحدثت إرباكًا عسكريًا واستنزافًا لقوات العدو، وكذلك كان لها تأثير اقتصادي ملموس ومباشر على الكيان الصهيوني.