مقالات مختارة
عمر نشابة - صحيفة الأخبار
تنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية هو «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن». هذه العبارة ليست مجرد عنوان بروتوكولي، بل واجب سياسي وأخلاقي ووطني. يفترض أن يكون الرئيس ضمانة للدولة وحارساً للدستور والمرجع الأول للاتحاد الوطني، لا أن يكون طرفاً سياسياً أو طائفياً يميل إلى مصالح فئوية يختلف اللبنانيون اختلافاً عميقاً بشأنها. وبكل أسف إن الواقع في لبنان يختلف تماماً عن النص الدستوري. فكثير من الرؤساء السابقين والحاليين اختزلوا الرئاسة في رمزية فارغة بينما الأزمات تتصاعد والانقسامات تتعمق والوطن يعاني انقسام حاد بين أبنائه.
من الجنوب إلى البقاع ومن الضاحية الجنوبية إلى بيروت، يشهد لبنان تصعيداً غير مسبوق في العدوان "الإسرائيلي". القصف العشوائي يستهدف المدنيين، البنى التحتية، والصناعات الحيوية، وينسف كل اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة.
في هذا السياق، يفترض أن يتوحّد اللبنانيون لمواجهة العدو المشترك، فلا يجوز أن تُستغل السياسة الداخلية أو الانقسامات الطائفية في وقت يتعرض فيه الوطن إلى مخاطر وجودية. الوحدة الوطنية ليست رفاهية بل خيار للحفاظ على لبنان. ولتحقيق ذلك ينبغي أن يكون رئيس الجمهورية رمزاً حقيقياً للاتحاد الوطني لا مجرد واجهة دبلوماسية أو موظفاً تابعاً لمحاور سياسية خارجية.
الانقسام اللبناني اليوم يزداد حدّة بسبب الورقة الأميركية التي تبناها فخامة رئيس الجمهورية جوزيف عون، والتي تدعو صراحة إلى نزع سلاح المقاومة. هذه الورقة أثارت جدلاً واسعاً بين اللبنانيين: قسم يرى فيها خطوة نحو حصر السلاح بيد الدولة بينما يعدّها قسم آخر خيانة للأمن الوطني، خاصة أن المقاومة هي الدرع الوحيد الذي يواجه العدوان "الإسرائيلي" ويحمي الجنوب اللبناني وسكانه بعد انسحاب الجيش اللبناني.
إنّ اعتماد فخامة رئيس الجمهورية مثل هذه السياسات في وقت يستهدف القصف "الإسرائيلي" المناطق اللبنانية الجنوبية بشكل يومي، يضع الوحدة الوطنية على المحك ويزيد الشرخ بين اللبنانيين، ويطرح السؤال الكبير: هل يعمل فخامة الرئيس من أجل لبنان أم من أجل مصالح خارجية على حساب شعبه؟
يتمتع الرئيس بصلاحيات دستورية واسعة، منها رئاسة المجلس الأعلى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ضمن سلطة مجلس الوزراء. لكن لبنان ليس دولة رئاسية والنظام الطائفي يفرض قيوداً على الدور التنفيذي للرئيس. الكثير من الرؤساء أمثال الرئيس السابق كميل شمعون والرئيس السابق أمين الجميل، اختاروا التغاضي عن الانقسامات والانخراط في الصراعات الفئوية ما جعلهم بعيدين عن مهامهم الدستورية وقلل من مصداقية الرئاسة كمؤسسة جامعة.
في هذه اللحظة التاريخية، لا شك أن ضعف الرئاسة وتردّدها في اتخاذ القرارات الحاسمة لمواجهة العدوان "الإسرائيلي" لا يهدّد فقط صورة الرئيس ومكانته بين الناس، بل يهدّد بقاء الدولة ووحدة المجتمع اللبناني.
لكي يكون الرئيس رمزاً للوحدة الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية، يمكنه أوّلاً الاعتراف بمكانة المقاومة في حماية لبنان ومواجهة العدوان "الإسرائيلي". كما يمكنه اعتماد خطاب موحّد ووطني جامع وتجنّب أي خطاب طائفي أو سياسي يهدّد النسيج الوطني. ولا شك أن أحد أهم الإنجازات المُنتظرة من رئيس الجمهورية، تيسيره لحوار وطني جامع حيث أن كل القوى اللبنانية يجب أن تشعر أن الرئاسة منصة للتوافق لا أداة للتفرقة.
يواجه لبنان اليوم تحدّيات وجودية حقيقية فالعدوان "الإسرائيلي" المستمر والانقسامات السياسية تهدّد الأمن الوطني. وفي مثل هذه الظروف لا يفترض أن يكون موقع رئاسة الجمهورية متفرجاً أو مساهماً في الانقسامات بل الموقع الأول للحفاظ على المسؤولية الوطنية. وإنّ كل فشل في تجسيد رمزية الوحدة أو مواجهة التهديدات الخارجية ليس إخفاقاً شخصياً لفخامة الرئيس فقط، بل تهديد مباشر لبقاء الدولة ووحدة المجتمع اللبناني.
كل تقاعس أو تأخّر في مواجهة العدوان يضاعف الخطر على اللبنانيين وعلى المصالح الوطنية اللبنانية. لبنان يحتاج إلى رمز حقيقي للوحدة الوطنية، لا إلى واجهة ديبلوماسية أو أداة للخارج. ويمكن لرئيس الجمهورية جمع اللبنانيين ومواجهة العدوان بحزم، ولا شك أنّ ذلك يمنع الدولة من الانهيار ويعيد إلى الشعب بكل أطيافه، الأمل في وطنه.