اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  على خلفية التوترات.. كندا تراجع صفقة شراء مقاتلات "أف-35" من الولايات المتحدة 

مقالات مختارة

قانون الحرب ومهلة الستين يوما وترامب
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

قانون الحرب ومهلة الستين يوما وترامب

50

ناصر قنديل- صحيفة "البناء"

انتهت مهلة الستين يوماً التي يحددها قانون الحرب، ولم يعد الحديث عن “اقتراب” أو “هامش مناورة”، بل عن لحظة فاصلة تُسقط كل الغموض: إما التزام النص أو كسره أو إعادة تفسيره. هذا القانون الذي وُلد عام 1973 بعد تجربة حرب فيتنام، لم يكن يوماً مجرد نص إجرائي، بل محاولة لإعادة التوازن بين سلطة الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة وسلطة الكونغرس كصاحب القرار في إعلان الحرب وتمويلها، بهدف تفادي الوقوع في حرب لا تنتهي وتتورط بها البلاد بلا أفق لأن الرئيس أخطأ الحساب ولا يجد استراتيجية خروج، من دون تقويض الصلاحيات الإجرائية للرئيس ومن ضمنها صلاحية القيام بعمليات عسكرية لضرورات يعتقد انها تحمي مكانة أميركا وتستدعيها ضرورات الأمن القومي، دون أن ترقى إلى مستوى إعلان الحرب.

مع انتهاء المهلة، يصبح أي استمرار في العمليات العسكرية دون تفويض من الكونغرس موضع مساءلة قانونية مباشرة. النص واضح: 60 يوماً كحد أقصى، يليها خيار وحيد مشروع هو مهلة إضافية من 30 يوماً “لأغراض الانسحاب”. لكن التاريخ الأميركي يُظهر أن وضوح النص لا يعني وضوح التطبيق، وأن الرؤساء غالباً ما لجأوا إلى هندسة قانونية تتيح لهم تجاوز القيود دون إعلان صريح بخرق القانون. في هذه اللحظة، يقف دونالد ترامب أمام الخيارات الصعبة.

أولاً، تجاهل المهلة والاستمرار في العمليات كما هي. وهذا الخيار يعني عملياً خرق القانون، حتى لو لم يُعلن كذلك. سياسياً، يفتح الباب أمام مواجهة مع الكونغرس، حيث قد يلجأ الديمقراطيون إلى استخدام أدوات التمويل لوقف الحرب، أو إلى القضاء للطعن بشرعية القرار. لكن هذا المسار يجد دعماً ضمنياً لدى جزء من الجمهوريين الذين يصوتون حتى نهاية المهلة لصالح خيار الرئيس، باعتبار أن صلاحيات الرئيس في زمن الحرب يجب أن تبقى واسعة وغير مقيدة، لكن بالمقارنة مع التصويت على حال الحرب بعد عملية فنزويلا فإن خمسة جمهوريين قد يعيدون الكرة بإضعاف الغالبية الجمهورية التزاماً بمهلة الستين يوماً.

ثانياً، أن تلجأ الإدارة إلى إعادة تعريف الواقع الميداني عبر القول إن العمليات الحالية لا ترقى إلى مستوى “الأعمال العدائية” التي يشملها القانون. خصوصاً أن هناك وقفاً للنار وهدنة استبقت بلوغ مهلة الستين يوماً، وهنا تلجأ الإدارة إلى لعبة المفاهيم، فتُقدَّم العمليات على أنها دفاعية، أو محدودة، أو غير مباشرة. هذا الأسلوب استُخدم سابقاً في حالات متعددة، والإعلان أن الهدنة أو التراجع العملياتي يُنهي “حالة الحرب”، وبالتالي يُسقط مفعول المهلة. هذا الخيار هو الأكثر أناقة سياسياً، لأنه يقدّم مخرجاً قانونياً دون مواجهة مع الكونغرس. لكنه أيضاً الأكثر هشاشة، ويعني تقييد الإدارة بالبقاء خارج نطاق مجال الحرب، لأن أي عودة للتصعيد ستعيد طرح السؤال نفسه: متى بدأت الحرب ومتى انتهت؟

رابعاً، اللجوء إلى مهلة الثلاثين يوماً الإضافية. هذا المسار هو الوحيد المنصوص عليه صراحة بعد انتهاء الستين يوماً، لكنه يحمل اعترافاً ضمنياً بأن العمليات يجب أن تتجه نحو الانسحاب أو إعادة التموضع. سياسياً، قد يُقرأ هذا الخيار إقرارا بأن الأهداف لم تتحقق ضمن المهلة، أو أن الإدارة تحتاج إلى وقت للخروج من المأزق، أو أن يُقدم ترامب على إعلان النصر وينسحب دون اتفاق، أو أن يجد في العرض الإيراني مخرجاً مناسباً لإنهاء الحرب.

في موازاة هذه الخيارات، ينكشف المشهد الحزبي بوضوح. الديمقراطيون يدفعون نحو تفسير صارم للقانون، ليس فقط دفاعاً عن دور الكونغرس، بل أيضاً لاحتواء اندفاعة ترامب وإحراجه سياسياً. وبعضهم يلوّح بقرارات لوقف التمويل، وآخرون يتحدثون عن الطعن القضائي. وهذا يصبح ممكناً مع انتهاء المهلة، والمستند القانوني يساعد في إنجاز مراجعة قانونية أمام المحكمة العليا ربما يقوّض خطة ترامب، وعرقلة التمويل الذي يحتاج في حالات معينة تصويت 60 عضواً من مجلس الشيوخ، لكن خلف هذا الانقسام، تكمن حقيقة أكثر تعقيداً: كلا الحزبين استخدم القانون نفسه بشكل انتقائي عندما كان في السلطة. ما يجري اليوم ليس صراعاً على النص بقدر ما هو صراع على مَن يفسّره وكيف، وهو من جهة موازية تعبير عن مأزق الحرب، التي كان لنجاحها أن يضمن ضعف الحجج لعرقلة استمرارها، لأن الحراك لإلزام الرئيس بمهلة الستين يوماً ناتج عن إخفاق الحرب.

عملياً، اليوم يبدأ مسار جديد مع نهاية الستين يوماً، إذا اختار ترامب التجاهل، ستبدأ معركة سياسية – قانونية قد تتدحرج تدريجياً. وإذا اختار إعادة التعريف أو إعلان انتهاء الحرب، سيحاول امتصاص الصدمة وشراء الوقت. والتزامه بتراجع خيار الحرب وإذا لجأ إلى مهلة الثلاثين يوماً، فسنكون أمام العد التنازلي لنهاية الحرب.

لكن الأهم أن نهاية المهلة هي فرصة لقياس موازين القوى في الداخل الأميركي وفحص نظرة الأميركيين للحرب وادعاء ترامب بتحقيق النصر وقرب الحسم، أزمة الاقتصاد العالمي وارتفاع اسعار الوقود والانتخابات النصفية وغياب التغطية الشعبية للحرب وتعثر العمليات العسكرية كلها عناصر سوف تحكم كيفية التعامل مع مهلة التسعين يوماً، وهكذا تتحول لحظة انتهاء الستين يوماً من اختبار لترامب وحده، إلى اختبار لبنية النظام: هل لا يزال النظام يعمل أم أنه فقد مع ترامب دوره كميكانيزم للتسويات والمصالحة بين النخبة السياسية والمجتمع.

في المحصلة، ما انتهى اليوم ليس مجرد مهلة قانونية، بل مرحلة من الغموض. وما يبدأ غداً ليس بالضرورة وضوحاً، بل صراع مفتوح على تعريف الحرب نفسها، ومَن يملك حق إعلانها… وفحص القدرة الأميركية على خوض الحرب وإنهائها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة