مقالات مختارة
صحيفة الأخبار
«الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان» كان في مقدمة إعلان رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، فجر اليوم، عن التوصل إلى «اتفاق سلام» بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وجاء الاعلان بعد ساعات من التوّتر عقب قصف العدوّ "الإسرائيلي" الضاحية الجنوبية، وتهديد إيران بالرد، ووقف التفاوض مع الوسطاء القطريين. لكن في اللحظات الأخيرة وبعد تقديم تنازلات جوهرية في الملف اللبناني وتأكيد انسحاب العدوّ "الإسرائيلي" من كافة الأراضي اللبنانية ورفع الحصار البحري عن إيران بشكل فوري (وليس خلال شهر) تراجعت إيران عن الرد على قصف الضاحية.
وكانت "إسرائيل" حاولت استغلال سقوط مسيّرة تابعة للمقاومة على بعد مئات الأمتار من الحدود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتشنّ غارة على الضاحية الجنوبية، بالتوازي مع تصعيد وتيرة القصف والتدمير في مناطق مختلفة من الجنوب.
وقد قرأ الجميع التصعيد "الإسرائيلي" بوصفه جزءاً من سياسة تهدف إلى منع إدخال لبنان، ولا سيما جبهة الجنوب والضاحية، ضمن أي تسوية إقليمية كبرى قد تنتج عن الاتفاق الأميركي- الإيراني. فإطلاق المسيّرات باتجاه شمال "اسرائيل" وما تلاه من تطورات ميدانية، لم يُتعامل معه كحادث معزول، بل جرى توظيفه سريعاً في الداخل "الإسرائيلي" كذريعة سياسية وعسكرية لتوسيع نطاق الرد، وصولاً إلى استهداف العمق اللبناني. وقد جاءت الغارة على شقة في منطقة الغبيري كترجمة مباشرة لهذا التوجّه، وهو ما لا يمكن فهمه إلا كرسالة مقصودة لإعادة فرض قواعد اشتباك تقوم على مبدأ واضح: إبقاء لبنان خارج أي هندسة تفاوضية إقليمية محتملة قد تفضي إليها المفاوضات الأميركية- الإيرانية، وتثبيت معادلة ميدانية تمنع تحويل الجبهة اللبنانية إلى جزء من تسوية شاملة.
غير أن إيران وحزب الله لم يكونا في وارد السماح لـ"إسرائيل" بترسيخ وقائع تُخرج لبنان من معادلة التفاوض أو تُضعف موقعه فيها. غير أن المفارقة الأشد خطورة لا تكمن فقط في هذا الاشتباك الإقليمي، بل في المقابل الداخلي اللبناني الذي كشف مستوى غير مسبوق من العجز السياسي الرسمي. إذ تتصرف السلطة وكأن ما يجري خارج نطاق مسؤوليتها المباشرة، أو كأن البلاد لا تتعرض لاستهداف يمسّ عمقها السياسي والأمني. فلا بيانات رسمية توازي حجم الحدث، ولا موقف سيادياً يرتقي إلى مستوى استهداف الضاحية، ولا حتّى محاولة جدية لفرض حضور الدولة في لحظة يُفترض أنها اختبار فعلي لمفهوم السيادة نفسه. وبعد ساعات من الاستهداف، لم تصدر أي بيانات رسمية حتّى لتسجيل إدانة! وهذا الغياب لم يعد يمكن تفسيره بوصفه حذراً دبلوماسياً أو سياسة «خفض منسوب التصعيد»، بل بات أقرب إلى حال انسحاب فعلي من وظيفة الدولة، أو ترجمة للشراكة الأمنية مع العدوّ "الإسرائيلي". فغياب الدولة عن لحظة الاستهداف يعني عملياً تسليم قرار الردع والتفسير والتأويل إلى "تل أبيب".
غياب السلطة بات أقرب إلى ترجمة للشراكة الأمنية مع العدوّ "الإسرائيلي"
وكانت واشنطن قد دخلت مباشرة على خط احتواء التصعيد، خشية أن يؤدي انفلات الوضع إلى نسف التفاهمات التي تعمل على إنجازها مع طهران. فبعد ساعات من الغارة "الإسرائيلية"، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وقف التصعيد بين "اسرائيل" وحزب الله، معتبراً أن الغارة على بيروت «لم يكن ينبغي أن تقع في هذا التوقيت»، ولا سيما في ظل اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران. وقال إنه «كان من المفترض ألّا يقع هجوم بيروت هذا الصباح، خصوصاً في يوم حساس ونحن على وشك التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران». وأضاف أن لـ"إسرائيل" «الحق في الدفاع عن نفسها ضدّ التهديدات»، إلا أن الهجوم الذي ردّت عليه جاء «محدوداً للغاية وغير ذي أهمية، ولم يسفر عن أي إصابات أو وفيات»، معتبراً أنه «لا ينبغي أن تعرقل هذه العملية المهمّة». وكشف أنه طلب من بنيامين نتنياهو وقف الضربات، قائلاً له: «ما هذا الشيء اللعين الذي تفعله في لبنان؟».
المعارك جنوباً
ميدانياً، وبعد يوم على إفشال المقاومة محاولاته للتقدم في محورَي مجدل زون وكفرتبنيت باتجاه مرتفعات علي الطاهر وإجباره على التراجع، قصف العدوّ الضاحية الجنوبية، بعد أقل من نصف ساعة على ادّعائه انفجار طائرة من دون طيار «في أراضي "اسرائيل" بالقرب من الحدود مع لبنان».
ورغم أن المقاومة في لبنان لم تتبنَّ العملية، أعلن رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو في بيان مشترك مع وزير دفاعه يسرائيل كاتس أن قصف الضاحية جاء «رداً على إطلاق النار من جانب حزب الله باتجاه "إسرائيل"».
وكان لافتاً منذ الصباح أمس، كثافة الأخبار العبرية التي تتحدث عن دويّ صفارات الإنذار في عدد من المستوطنات الشمالية. وقال المتحدث باسم جيش العدوّ "الإسرائيلي" إنه في أعقاب الإنذارات التي فُعّلت في عدة مناطق شمال البلاد، تم رصد سقوط صاروخ عبر من لبنان في منطقة "نئوت مردخاي"، كما سُجّل سقوط عدة صواريخ في المنطقة التي تعمل فيها قوات الجيش "الإسرائيلي" في جنوب لبنان.
وتحدثت وسائل إعلام عبرية عن إصابة جندي "إسرائيلي" في "مرغليوت" جراء انفجار طائرة من دون طيار، في ما تحدثت القناة 14 عن إصابة جنديين بجروح متوسطة وطفيفة في جنوب لبنان.
ونفّذت المقاومة، أمس، سلسلة عمليات استهدفت مواقع وتموضعات وآليات وقوات "إسرائيلية" معادية في عدد من بلدات الجنوب اللبناني، بينها حولا، العديسة، القنطرة، يحمر الشقيف، مجدل زون، الناقورة، شمع، رشاف، الطيبة ومارون الراس، مستخدمةً المسيّرات الانقضاضية، محلّقات أبابيل، الصواريخ الثقيلة، الصليات الصاروخية، قذائف المدفعية وصواريخ أرض- جو. كما أعلنت التصدّي لعدد من المسيّرات "الإسرائيلية" في أجواء صيدا وإقليم التفاح وإجبارها على التراجع.
وتعليقاً على التطورات، حذر ألون بن ديفيد في صحيفة «معاريف» العبرية من أنه «إذا انجرفنا أكثر إلى الداخل نحو سلسلة علي الطاهر الجبلية، ثم بعدها إلى هضبة النبطية، فلن نفعل سوى رفع الثمن الذي سندفعه من دون أن نجني أي فائدة». وأكّد أن «حزب الله، الذي تحوّل من جيش فعلي إلى منظمة حرب عصابات، يدرس أساليبنا ويطوّر نفسه يوماً بعد يوم. فحرب العصابات تمتلك دائماً أفضلية على الجيوش، إذ تضربها في المواضع التي ترصد فيها نقاط ضعفها، وتتراجع في الأماكن التي تكون فيها قوية». ورأى أن «ما هي إلّا مسألة وقت حتّى تبدأ قوافل الإمداد واللوجستيات، التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من عمل أي جيش، بالوقوع في الكمائن والعبوات الناسفة في لبنان».