مقالات مختارة
إيران تجدّد تجربتها الثورية: الاغتيالات حافزًا على الصمود
تواجه إيران موجة اغتيالات تستهدف نخبتها الأمنية والسياسية، في تحدٍّ يكشف عمق الاختراق وخطورة المواجهة المركّبة. غير أن هذه الضربات تتحوّل في بنيتها الثورية إلى محفّز للصمود وإعادة إنتاج القوة والشرعية
علي حيدر - صحيفة الأخبار
تُظهِر موجة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات إيرانية رفيعة، من مثل أمين «مجلس الأمن القومي» علي لاريجاني، وقائد «الباسيج» غلام رضا سليماني، ووزير الاستخبارات إسماعيل الخطيب، أن إيران تواجه تحدياً أمنياً بالغ الخطورة. ويستبطن هذا التحدّي مستوىً مرتفعاً من الاختراق الاستخباري؛ فحجم الشخصيات المُستهدَفة، وطبيعة المواقع التي تَشغلها، والتوقيت السياسي والعسكري لهذه العمليات، كلّها عناصر تشير إلى عمل استخباري مركّب تشارك فيه إسرائيل والولايات المتحدة، مع بيئات إقليمية وأخرى داخلية، معادية لبنية النظام الإسلامي.
وإذ تندرج تلك العمليات ضمن حرب مركّبة تستهدف البنية القيادية والمعنوية للجمهورية الإسلامية، فهي تستهدف إظهارها في مظهر العاجز عن حماية نخبتها ومراكزها الحساسة. ورغم خطورة كثافة عمليات الاغتيال، إلّا أنها لا تحمل مؤشرات إلى اقتراب الانهيار الداخلي أو التآكل البنيوي للنظام، خصوصاً أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرّض فيها إيران لموجة تصفيات تستهدف القادة والكوادر العليا.
ففي السنوات الأولى التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية، حين كان النظام لا يزال في طور التأسيس، شهدت إيران سلسلة اغتيالات طاولت عشرات الشخصيات الكبرى، واستهدفت بشكل واضح ومباشر إسقاط الثورة عبر تصفية قادتها، ومحاولة منعها من التحوّل إلى دولة مستقرّة. إلا أن النتيجة وقتذاك جاءت معاكسة؛ إذ ساهم هذا المسار في تسريع عملية تجذير النظام، وتوسيع شبكاته التعبوية، وإعادة إنتاج نخبته القيادية، فيما أطلق الإمام الخميني، مؤسّس الجمهورية الإسلامية، شعاره المعروف: «اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر»، في تحدٍّ لتلك العمليات والجرائم، وتعبير عن المفاعيل الشعبية والتعبوية لها.
وهنا تحديدًا، تكمن إحدى السمات المركزية في بنية النظام الإيراني، التي لا تقوم على فردية القيادة أو على النخبة الضيقة التي يؤدّي غيابها إلى فراغ قاتل، إنما تستند إلى مخزون قيادي وتنظيمي واسع، تشكَّل على امتداد عقود داخل مؤسسات الثورة والدولة و«الحرس الثوري» و«الباسيج» والحوزات والجامعات والإدارة المدنية. والسعة تلك، هي التي أتاحت له على طول الخطّ قدرة على امتصاص الضربات، بحيث إن الاغتيال لا يستتبع شللاً استراتيجياً أو تفكّك القيادة وانقطاع القرار، وإن استدعى مراجعات قاسية لكشف الثغرات.
والأهمّ مما تقدّم، أن استشهاد القادة في الحالة الإيرانية يجري توظيفه لإنتاج طاقة تعبئة استثنائية، وذلك في إطار سردية الصمود والمظلومية والمقاومة. فالثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية لم تُبنَ على مفهوم الدولة المحايدة بقدر ما بُنيت على تداخل الثورة مع الدولة، وعلى مركزية التضحية باعتبارها واحدة من القيم المؤسّسة للهوية السياسية. ومن هنا، فإن ما يراه الخصم ثغرة قاتلة، قد يتحوّل في البيئة الداخلية الإيرانية إلى مصدر إعادة شحن معنوية وشعبية، خصوصاً عندما تكون المواجهة مصوغة في الوعي العام باعتبارها حرباً وجودية مع قوى خارجية تسعى إلى إخضاع إيران وكسر قرارها السيادي.
يجري توظيف استشهاد القادة في الحالة الإيرانية لإنتاج طاقة تعبئة استثنائية
ويتقاطع هذا العامل مع بعد وطني أوسع، يرتبط بالمخزون التاريخي والثقافي الجمعي الإيراني، والذي يجعل مسألة الاستهداف الخارجي عاملاً من عوامل تنشيط الحس الوطني، ويستحثّ شرائح اجتماعية مختلفة، حتى تلك المنتقدة لبعض سياسات النظام، على الالتفاف حول الدولة عند الشعور بتهديد سيادة البلاد. وبذلك، تتعزّز بنية الصمود عبر تداخل البعدَين الأيديولوجي والوطني.
ومع ذلك، فإن القدرة على التحمّل لا تلغي خطورة الاختراق الأمني، وهو ما يفرض على الدولة تحدّياً مزدوجاً: أن تردّ على العدوان الخارجي بما يحفظ صورة الردع، وأن تعالج في الوقت نفسه الثغرات الداخلية التي لا تسمح بتكرار هذا النمط من العمليات. ولعلّ مما يلفت النظر هنا، استمرار قدرة الجمهورية الإسلامية، رغم كثافة الاغتيالات، على الردّ الفعال على الاعتداءات عليها، وعلى تبنّي سقوف سياسية مرتفعة، الأمر الذي يدلّ على أن الاختراق الأمني، على خطورته، لم يرتقِ إلى مستوى القدرة على ضرب الإرادة السياسية أو تفكيك البنية القيادية.
وفي السياق الأوسع، تعيد هذه المواجهة إلى الأذهان ذاكرة «الدفاع المقدّس» خلال الحرب العراقية - الإيرانية، والتي لا تزال تؤدّي دوراً مركزياً في تكوين الوجدان والوعي الإيرانيَّيْن. فبعدما شكّلت تلك التجربة مختبراً هوياتياً أعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، تُستعاد اليوم الذاكرة المتشكّلة حولها، والتي خرّجت أجيالاً من الكوادر والقادة الذين تشرّبوا منطق الصمود والتعبئة، ويعدّون المواجهة مع أميركا وإسرائيل امتداداً طبيعياً لمعركة التأسيس الأولى. ولذلك، فإن الموجة الحالية من المواجهة، بما تنطوي عليه من اغتيالات وضغط عسكري ونفسي، تدفع إلى الواجهة بجيل جديد لم يعِش انتصار الثورة ولا مرحلة الإمام الخميني، لكنه يعيش الآن لحظة تأسيس متجدّدة، عنوانها تعزيز مكانة إيران الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق تحديدًا، مثّل استشهاد القائد علي الخامنئي الذي بقي في مكتبه ومنزله رغم إدراكه حجم التهديدات، نموذجاً للثبات الشخصي والتضحية الواعية، اللذين يمثّلان عنصرين ضروريين في بناء ذاكرة تعبئة جديدة للأجيال اللاحقة. ذلك أن الأنظمة الثورية لا تكتفي بمؤسّساتها للحفاظ على نفسها فحسب، إنما تحتاج دائماً إلى رموز تُجسِّد عقيدتها في لحظات الخطر.