اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي وزير الصحة يجول على النازحين في مراكز الإيواء في بيروت

مقالات

مؤشر اتجاه الحرب: كيفية التعايش مع قوة إيران لا إخضاعها
مقالات

مؤشر اتجاه الحرب: كيفية التعايش مع قوة إيران لا إخضاعها

168


يشكّل استهداف العدو "الإسرائيلي"، بدعمٍ أميركيٍ، حقل بارس الغازي لحظةً مفصليةً في مسار الحرب، ليس فقط من حيث أثرها العملياتي المباشر، بل بوصفها حدثًا كاشفًا لبنية الصراع واتجاهاته العميقة. فهذه الضربة، التي جاءت في سياقٍ تصاعديٍ واضحٍ، تعكس انتقال المواجهة من مستوى الضغط العسكري التقليدي إلى استهداف البنية الاقتصادية-الطاقوية، بما يحمله ذلك من دلالاتٍ تتجاوز ساحة المعركة نحو إعادة تشكيل معادلات الردع والتوازن.

وفي هذا السياق، تبدو خلاصة المشهد الأولي واضحةً: إيران خرجت من هذه الجولة ويدها هي العليا، مؤكدةً مرةً جديدةً أنها لن تتردد في رفع مستوى التصعيد لحماية أصولها الاستراتيجية -خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز- ومن دون أي مؤشراتٍ على تراجعٍ أو انكفاء.

مؤشر المأزق الاستراتيجي
يكشف اللجوء إلى استهداف حقل بارس عن تحوّلٍ نوعيٍ في السلوك العسكري "الإسرائيلي"، لكنه في جوهره يعكس مأزقًا استراتيجيًا أكثر مما يعكس تفوقًا عملياتيًا. إذ إن هذا النوع من الأهداف لا يُعتمد عادةً إلا عندما تتراجع فعالية الأهداف الكبرى المعلنة، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني أو إخضاعه.

فبعد فشل المراحل الأولى في تحقيق هذا الهدف، لم يعد اتجاه الحرب واضحًا، ولا غايتها الاستراتيجية محددةً. وهنا يصبح الانتقال إلى ضرب منشآت الطاقة مؤشرًا على أن مسار الحسم أو الإكراه لم يحقق نتائجه، بل على العكس، تزامن ذلك مع استمرار الضربات الإيرانية باتجاه العمق "الإسرائيلي" والخليجي، ما يدل على أن القدرة الردعية الإيرانية لم تُكسر، بل بقيت فاعلةً وقابلةً للتكيّف.

بهذا المعنى، لا يُقرأ استهداف بارس كتصعيدٍ هجوميٍ خالصٍ، بل كمحاولةٍ لتعويض إخفاقٍ استراتيجيٍ عبر توسيع دائرة الألم الاقتصادي، وهو سلوكٌ غالبًا ما يحمل طابعًا دفاعيًا داخل إطارٍ هجوميٍ.

بناء معادلة “تدويل الكلفة”
الرد الإيراني لم يكن تكتيكيًا بقدر ما كان تأسيسيًا. فمن خلال توسيع نطاق الاستهداف ليشمل الحقل القطري، وتوجيه رسائل نحو السعودية والإمارات، انتقلت طهران إلى بناء معادلة ردعٍ جديدةٍ قائمةٍ على “تدويل الكلفة الطاقوية”.

هذه المعادلة حملت ثلاث دلالاتٍ استراتيجية مترابطة:
أولًا، وحدة الساحات الطاقوية: أي أن أي استهدافٍ للبنية الطاقوية الإيرانية لن يبقى محصورًا، بل سيتحوّل إلى تهديدٍ شاملٍ لمنظومة الطاقة الخليجية.

ثانيًا، الاستعداد للتصعيد الشامل: حيث أظهرت إيران استعدادها للذهاب إلى أقصى الحدود، بما في ذلك تهديد استقرار الأسواق العالمية.

ثالثًا، إعادة تعريف ميدان التفوق: فبدلًا من الانجرار إلى ميدان التفوق العسكري التقليدي، نقلت إيران مركز الثقل إلى مجالٍ تمتلك فيه قدرة تأثيرٍ أعلى، أي أمن الطاقة والممرات البحرية. وبذلك، لم يعد الرد الإيراني مجرد موازنةٍ للضربة، بل أصبح تأسيسًا لمعادلة تفوقٍ نسبيٍ تعيد صياغة قواعد الاشتباك.

دلالة تنصّل ترامب
في هذا السياق، يكتسب موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب دلالةً خاصةً. فكونه كان على علمٍ بالهجوم ثم اختار التنصّل منه نتيجة الرد الإيراني ومفاعيله السياسية، يعكس فجوةً متناميةً بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" في إدارة هذه الحرب.

هذا التباين لا يُختزل في تكتيكٍ سياسيٍ، بل يكشف حدود القدرة الأميركية على إدارة التصعيد. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تواجه معضلةً مزدوجةً:
توسيع الحرب في مجال الطاقة يعني اضطرابًا عالميًا سينعكس مباشرةً على الاقتصاد الأميركي، والانخراط المباشر في هذا المستوى من التصعيد قد يفتح مسار استنزافٍ طويلٍ يصعب احتواؤه.

لذلك، يبدو أن واشنطن تنتقل تدريجيًا من منطق “إدارة الحرب لتحقيق نصر” إلى منطق “احتواء الحرب لمنع خسارةٍ كبرى”، في حين تواصل "إسرائيل" الدفع نحو توسيع دائرة الاستهداف.

الانزلاق بلا أفق حسم
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الحرب تنزلق تدريجيًا نحو نمطٍ استنزافيٍ، من دون استراتيجيةٍ واضحةٍ أو هدفٍ نهائيٍ محددٍ. فالأسئلة الجوهرية: ما الهدف الأعلى؟ ما مسارات الخروج؟ ما شكل نهاية الحرب؟ لا تزال مفتوحةً.

وفي هذا السياق، يواجه ترامب معضلةً معقدةً: إما تصعيدٌ كبيرٌ قد يشمل تدخلًا بريًا، أو التوقف عند النقطة الحالية، مع خطر الظهور بمظهر العاجز عن تحقيق الأهداف المعلنة، خصوصًا في ظل ربط خطابه السياسي بفكرة “الاستسلام الإيراني”.

لكن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك: لا مؤشرات على انهيار النظام، بل على العكس، تُظهر الأحداث أن منظومة القيادة والسيطرة في طهران تعمل بكفاءةٍ، وأن الأداء الإيراني يتسم بالاستمرارية والمرونة.

صمود إيران كعامل حاسم
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة صمود إيران كعاملٍ دفاعيٍ فقط، بل كمؤشرٍ اتجاهيٍ لمسار الحرب. فهذا الصمود تجلّى في:
الاستمرارية العملياتية رغم الضغط العسكري.
المرونة الاستراتيجية عبر الانتقال بين الساحات (عسكرية، طاقوية، بحرية).
القدرة على فرض معادلاتٍ جديدةٍ، من مضيق هرمز إلى استهداف البنية الطاقوية.

وهنا يتحول الصمود بحد ذاته إلى إنجازٍ استراتيجيٍ، لأنه لا يمنع فقط تحقيق أهداف الخصم، بل يعيد تشكيل بيئة الصراع بما يمنح إيران هامش مناورةٍ أوسع.

نحو صراع على شروط التسوية لا على الحسم
المعادلات التي تتشكل اليوم -خصوصًا في مجال الطاقة والممرات البحرية- لن تنتهي مع وقف إطلاق النار، بل ستؤسس لمرحلة ما بعد الحرب. فإيران، عبر تثبيت قدرتها على تهديد أمن الطاقة، تفرض نفسها كفاعلٍ لا يمكن تجاوزه في أي ترتيباتٍ مستقبليةٍ.

وبذلك، يتحول الصراع من محاولة تحقيق حسمٍ عسكريٍ سريعٍ إلى صراعٍ على شروط التسوية، حيث تصبح القدرة على إلحاق الكلفة الاقتصادية عاملًا مركزيًا في تحديد موازين القوى.

في الخلاصة، تكشف أحداث استهداف بارس وما تلاها أن هذه الحرب تُدار من دون استراتيجيةٍ واضحةٍ، ومن دون تخطيطٍ طويل الأمد، ومن دون هدفٍ نهائيٍ محددٍ. وفي المقابل، تُظهر أن الطرف القادر على الصمود وإدارة الكلفة -وليس بالضرورة التفوق العسكري التقليدي- هو الذي يميل لصالحه ميزان الصراع.

وعليه، فإن إيران أثبتت أنها قادرةٌ على التكيّف وفرض معادلاتٍ جديدةٍ. وهذا يعني أن الحرب لم تعد تدور حول إخضاعها، بل حول كيفية التعايش مع قوتها وشروطها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة