نقاط على الحروف
تحوّل المشهد في اليوم الثاني والعشرين من الحرب المتسارعة إلى لحظةٍ مفصليةٍ تعيد صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بشكلٍ جذريٍ، حيث انتقل الصراع من سياق التصعيد التقليدي إلى مرحلة استهداف العصب النووي الذي ظلّ لفترةٍ طويلةٍ خطًا أحمر محصّنًا بعيد المنال. والضربة الأميركية التي طالت منشأة نطنز الإيرانية لم تكن مجرد عمليةٍ عسكريةٍ لتعطيل القدرات التقنية، بل مثّلت رسالةً استراتيجيةً تعكس وصول واشنطن إلى ذروة خياراتها وقناعتها بضرورة المخاطرة بتداعياتٍ كبرى. غير أن النتائج الميدانية أثبتت أن استخدام القنابل الخارقة للتحصينات لم يحقق الحسم المطلق، فبقاء المنشأة دون تسرّبٍ إشعاعيٍ أو شللٍ كاملٍ أرسل إشارةً معاكسةً مفادها أن الضربة القصوى قد استنفدت أغراضها دون تغيير الواقع الميداني بشكلٍ نهائيٍ.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني عبر ما وُصف بالموجة الواحدة والسبعين ليرسم ملامح معادلة ردعٍ جديدةٍ تعتمد على الكثافة والتعقيد التكنولوجي، حيث أظهر استخدام الصواريخ ذات الرؤوس المتعددة والمنشطرة قدرةً فائقةً على إرباك منظومات الدفاع الجوي التي صُممت لتتبّع أهدافٍ أحاديةٍ. ووصول هذه الصواريخ إلى مناطق حيويةٍ في العمق لم يكن هدفه التدمير المادي بقدر ما كان يهدف إلى تقويض الثقة في الحماية الشاملة، وهذا التحول جعل من فكرة إغراق الدفاعات الجوية حقيقةً ميدانيةً يمكن تكرارها، ما يضع مراكز القرار أمام معضلةٍ أمنيةٍ غير مسبوقةٍ تتعلق بكيفية حماية المنشآت الحساسة في ظل تطور الوسائل الهجومية وتغيّر أنماطها بشكلٍ مستمرٍ وسريعٍ.
لكن التطور الأكثر إثارةً للقلق في الدوائر الدولية هو انتقال التهديد والعمليات نحو منطقة ديمونا، فالحديث عن استهداف قلب الغموض النووي "الإسرائيلي" يمثل زلزالًا في مفاهيم الأمن الإقليمي، لأن ديمونا ليست مجرد منشأةٍ عسكريةٍ، بل هي الركيزة الأساسية للردع في المنطقة. وإدخالها في حسابات القصف والرد المتبادل يعني أن القواعد القديمة التي كانت تضبط إيقاع الصراع قد انهارت بالكامل. فالمعادلة الجديدة التي بدأت تترسخ تقول إنه إذا كانت منشأة نطنز قد فقدت حصانتها أمام الضربات الأميركية، فإن ديمونا لم تعد هي الأخرى بعيدةً عن منال الصواريخ المنشطرة، وهذا التماثل في الاستهداف يرفع منسوب المخاطر إلى مستوياتٍ قد تؤدي إلى انفجارٍ شاملٍ يخرج عن السيطرة.
وعلى الجبهة اللبنانية، تتجلّى فجوةٌ كبرى بين التفوق التكنولوجي والواقع الميداني، حيث أثبتت المعارك في جنوب لبنان، وتحديدًا في كمائن علما الشعب، أن الحرب لا تُحسم دائمًا بالطائرات والذكاء الاصطناعي. فالاشتباك من المسافة صفر يعيد الاعتبار للعنصر البشري والقدرة على التكيّف مع تضاريس الأرض. وقد واجه الجيش، الذي يعتمد بشكلٍ كاملٍ على التفوق الجوي والتقني، صعوبةً بالغةً في قراءة تحركات خصمٍ يعتمد الصمت الرقمي والإخفاء التام، وهذا الفشل في التقدير يعكس أزمةً أعمق تتعلق بالاعتماد المفرط على الخوارزميات التي تفترض أن الخصم يتبع أنماطًا محددةً، بينما أثبت الميدان أن كسر هذه الأنماط هو المفتاح لتحقيق مفاجآتٍ تكتيكيةٍ تُربك الحسابات العسكرية.
هذا الفشل التقني يمتد ليشمل أنظمة التحليل الاستخباراتي التي بُنيت على تتبّع الإشارات الرقمية، حيث تبيّن أن الأنظمة التي قدّرت استنزاف قوة الخصم كانت مبنيةً على بياناتٍ مضللةٍ أو ناقصةٍ. فالحرب في جوهرها تظل سلوكًا بشريًا يتجاوز المعادلات الرياضية الصماء، والقدرة على إعادة البناء والتموضع بعيدًا عن أعين الرقابة الإلكترونية جعلت تقديرات الإنهاك مجرد أوهامٍ تبددت عند أول مواجهةٍ حقيقيةٍ على الأرض. وهذا يطرح تساؤلاتٍ جديةً حول مستقبل الحروب التي تُدار بالذكاء الاصطناعي حين تصطدم بخصمٍ يتقن فنون التخفي والقتال التقليدي بأساليب حديثةٍ ومبتكرةٍ.
أما الموقف الأميركي فيبدو غارقًا في الارتباك الاستراتيجي، حيث تظهر التصريحات المتناقضة غيابًا تامًا لخطةٍ واضحةٍ للتعامل مع ما بعد ضربة نطنز. فالتلويح بإرسال قواتٍ إضافيةٍ بالتزامن مع الحديث عن الانسحاب يعكس حالةً من التخبط تُذكّر بمرارة تجارب سابقةٍ في المنطقة، والخيارات المطروحة حاليًا تبدو أقرب إلى ردود فعلٍ آنيةٍ تهدف إلى احتواء الموقف دون امتلاك رؤيةٍ طويلة الأمد للنتائج. وهذا يعيد التاريخ إلى واجهة الأحداث، حيث يبرز التخوف من تكرار أخطاء الماضي في ظل ظروفٍ أكثر تعقيدًا وخطورةً، خاصةً وأن الحسم العسكري لا يزال بعيد المنال رغم استخدام أقصى درجات القوة النارية.
إن ما نشهده اليوم هو تحولٌ تاريخيٌّ في طبيعة الصراعات الدولية، حيث تلاشت الخطوط الحمراء وبدأت القوى العسكرية تكتشف حدود قدرتها أمام إرادة المواجهة الميدانية. فمن سماء نطنز إلى عمق ديمونا، ومن جبال جنوب لبنان إلى غرف العمليات الرقمية، يظهر أن القوة لا تضمن النصر دائمًا إذا غاب فهم حدود هذه القوة وكيفية التعامل مع المتغيرات التي لا تخضع للحسابات التقليدية. وفي هذه المرحلة الحرجة، تظل القدرة على استيعاب حدود السيطرة هي الفارق الحقيقي بين البقاء والانزلاق نحو كارثةٍ كبرى لا يمكن التنبؤ بنهايتها، لأن الحروب في نهاية المطاف هي صراع إراداتٍ وعقولٍ، وليست مجرد سباق تسلّحٍ تكنولوجيٍ.