اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي منشآت الطاقة في المنطقة تدخل في أهداف الحرب.. إيران تردّ على العدوان على حقل "بارس"

نقاط على الحروف

التفاوض تحت النار يسقط الدولة والسيادة.. الشعب صاحب القرار
نقاط على الحروف

التفاوض تحت النار يسقط الدولة والسيادة.. الشعب صاحب القرار

78

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

بينما تشتعل جبهة الجنوب اللبناني على صفيح العدوان "الإسرائيلي" المستمر يخوض مجاهدو المقاومة الإسلامية أشرس المواجهات عند قرى الحافة دفاعًا عن الأرض في وجه آلة الحرب "الإسرائيلية"، في المقابل يبرز مشهد سياسي موازٍ يثير الكثير من الريبة والتساؤلات الوجودية حول مفهوم الدولة والسيادة والولاء الوطني.

في أروقة السرايا الحكومية، لا تُدار معركة مواجهة ولا حتى مواجهة إغاثة أو صمود، بل تدور رحى معركة من نوع آخر؛ معركة دبلوماسية تبدو في ظاهرها سعيًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها في جوهرها تحمل ملامح انقلاب سياسي مكتمل الأركان على التوازنات الوطنية التاريخية، حيث يبدو أن الحكومة قررت الاشتغال وفق الأجندة التي رسمتها غرف العمليات الدولية والمناورات "الإسرائيلية"، محولةً التهالك الدبلوماسي إلى أداة لضرب الصمود الميداني.

تقاطع الأجندات وسياقات نزع الشرعية
لم تعد المواقف الرسمية اللبنانية تصدر خجولة أو مواربة كما في أوقات سابقة، بل باتت تعبر عن تيار منظم داخل السلطة التنفيذية يسعى صراحة لعزل المقاومة وبيئتها وتجريدها من غطائها القانوني والوطني في ذروة الاشتباك العسكري. بالتأكيد إن تصريحات وزير "العدل الكتائبي" عادل نصار، التي جزمت بـ"عدم قانونية أنشطة الحزب" وأنه "لم يعد يحمل أي صفة تسمح له بحمل السلاح"، لم تكن زلّة لسان في مؤتمر صحفي عابر أو قصور عن التعبير، بل تندرج في سياق المحاولات لبناء سياسي جديد يُراد له أن يكون بديلًا يائسًا  لثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" التي شكلت عقيدة الدفاع اللبنانية لسنوات طويلة منذ إرساء وثيقة الوفاق الوطني في اتفاق الطائف والتي وضعت حدًا للحرب الأهلية المقيتة.

هذا الموقف الكتائبي، إلى جانب مواقف الوزير "القواتي" يوسف رجي، فضلًا عن القرارات الحكومية المعادية للمقاومة لا تعكس توافقًا وطنيًا على شأن سيادي بل تعكس اتجاهًا جامحًا نحو تحويل الدولة من حاضنة للمجتمع ومدافعة عن مكوناته، إلى أداة قهرية و"محكمة تفتيش" ضد مكوّن أساسي وأصيل في النسيج اللبناني بذريعة حصرية السلاح واستعادة سيادة الدولة فيما تتجه الأمور واقعًا نحو تحويل الدولة إلى كيان تابع مجرّد من أي مقوّمات سيادية.

 إن السعي إلى محاصرة المقاومة سياسيًا وقانونيًا -وربما عسكريًا لاحقًا- بينما هي منخرطة في مواجهة عسكرية وجودية، تعني شيئًا واحدًا في علم السياسة، وهو أن السلطة في لبنان لم تعد ترى في "إسرائيل" العدو الأول أو الخطر الوجودي، بل باتت ترى في التوازنات الداخلية وفي قوة الردع المحلية عبئًا يجب التخلص منه تحت وطأة الحرب، وبثمن بخس مقداره هو الرضا الأميركي.

انكشاف ميداني وسياسي وخذلان وطني
لعل أخطر المعطيات الميدانية التي تعكس التوجه الرسمي الجديد، وتثبت أن ما يجري ليس مجرد تباين في وجهات النظر بل هو نهج تراجعي، هو الأمر الصادر للجيش اللبناني بالانسحاب وإخلاء موقعه في "حي البيادر" جنوب بلدة شبعا، يضاف إلى الأوامر السابقة بالانسحاب من جنوبي الليطاني وعدم الاحتكاك مع قوات الاحتلال. وهو ليس مجرد إجراء تكتيكي تفرضه ظروف الميدان، بل هو رسالة سياسية مشفرة بالخوف إن لم نقل بالتواطؤ. فشبعا، التي تمثل رمزية الاحتلال المستمر والسيادة المنقوصة، يُراد لها اليوم بقرار حكومي أن تكون ساحة للفراغ الرسمي، وهو ما دفع ببلدية شبعا وفعالياتها لإصدار بيانات مناشدة صارخة للتراجع عن هذا القرار الذي يترك الأهالي لمصيرهم.

إن انسحاب الجيش في هذه اللحظة بالذات يخدم السردية "الإسرائيلية" التي تطالب بـ"خطوات عملية" من السلطة اللبنانية لإثبات جديتها في فك الارتباط مع الجبهة. ولذا فإن ترك الأرض في شبعا لا يعني فقط تعرية ظهر المقاتلين في تلك النقطة الحساسة، بل يعني "فك الارتباط" النفسي والأمني والسيادي بين الدولة ومواطنيها في القرى الحدودية، فعندما يرى المواطن الجنوبي الصامد أن جيش بلاده يخلي موقعه في حمأة المواجهة بقرار سياسي، فإن ثقته بـ"الدولة" كحامية للسيادة تنهار تمامًا، ليحل محلها شعور بالإحباط والخذلان يغذيه التوجه الحكومي (المنقوص المشروعية والميثاقية) نحو التفاوض دون قيد أو شرط، وكأن دماء المدافعين أصبحت عبئًا على طاولة المفاوضات.

الاستراتيجية "الإسرائيلية" لتدويل الفتنة
إن مراقبة مسار التطورات توضح أن الجانب "الإسرائيلي" يسعى لتوظيف السلطة اللبنانية لخدمة أهدافه بطريقة ذكية وخبيثة. فـ"إسرائيل" لا تعلن رفض التفاوض في المبدأ لكي تستخدمه "جزرة" لابتزاز السلطة اللبنانية الضعيفة، فالمطلوب "إسرائيليًا" في هذه المرحلة ليس اتفاقًا تقنيًا، بل "صورة اعتراف" مع وفد لبناني في زمن الحرب، حتى لو لم يكن يحظى بإجماع المكونات الشعبية والسياسية. والهدف ليس الوصول إلى "سلام" مستدام أو استقرار حدودي، بل تفعيل المشكلة الداخلية وإشغال الزواريب اللبنانية في الأزمة. وهنا نلفت إلى التصريحات "الإسرائيلية" المتكررة التي تحدثت عن "أطراف داخلية لبنانية تعمل لصالح الأمن الإقليمي"، والتي تهدف بشكل مباشر إلى تسميم الأجواء الوطنية وضرب الثقة العميقة بين المكوّنات اللبنانية. وفي هذا سعي "إسرائيلي" مباشر لتحويل توصيف المواجهة من "لبنان ضد الاحتلال" إلى "دولة لبنانية (تمثلها الحكومة) ضد الحزب ومكونه الشعبي". وبهذا المعنى تصبح السلطة اللبنانية من حيث تدري أو لا تدري، أداة لتنفيذ ما عجزت عنه القوة العسكرية "الإسرائيلية" على مدار عقود، أي تفكيك "البيئة الحاضنة" وعزل المقاومة وطنيًا عبر شرعنة الخلاف الداخلي وتحويله إلى صدام دستوري وقانوني.

وهم "الدولة".. هل سقطت قيم المواطنة؟
إن ادعاء الحكومة وبعض وزرائها الحزبيين أنها تتحرك باسم "الدولة"، وبموجب المصلحة الوطنية العليا هو ادعاء باطل بنيويًا ودستوريًا وأخلاقيًا. فالدولة في معناها الفلسفي والقانوني ليست مجرد مؤسسات متهالكة ومكاتب وزارية متوارثة، بل هي تجسيد لـ"إرادة العيش المشترك" وللعقد الاجتماعي بين مكوّناتها. وعندما يرفض فريق وازن ومكوّن أساسي التفاوض تحت النار، ويرفض تغطية أي شخصية تشارك في وفد تفاوضي يذهب منكسرًا، فإن هذا يعكس شرخًا وطنيًا عميقًا لا يمكن تجاوزه ببيانات ورقية من وزير العدل أو وزير الخارجية.

والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل تعتبر الحكومة أن "المكوّن المقاوم" وبيئته جزء من الشعب اللبناني له الحق في تقرير مصير الحرب والسلم؟ أم أنها تتعامل معه كـ"جسم غريب" أو "قوة طارئة داخلية" يجب استئصالها أو تهميشها لإرضاء السيّد الأميركي؟ إن أي توجه تفاوضي لا يحظى بإجماع وطني حقيقي، ويتجاهل تضحيات الميدان ودماء الشهداء، هو توجه يضرب "السيادة" في جوهرها، فالسيادة لا تعني التفاوض مع المحتل بصفة "دولة" ضعيفة تستجدي البقاء حتى لو وصلت الى حد الاعتراف الاستسلامي، بل تعني القدرة على حماية كافة مكونات الشعب تحت مظلة وطنية واحدة لا تستثني أحدًا.

ولا يمكن فهم هذا الاندفاع الحكومي اللبناني بعيدًا عن "المايسترو" الأميركي الذي يدير المشهد بشكل مباشر. ولم يعد يخفى أن الهدف الإستراتيجي الأميركي يتجاوز الجغرافيا اللبنانية، وتعدّ واشنطن إضعاف المقاومة سياسيًا وقانونيًا في الداخل اللبناني هو الطريقة الأسرع والأقل كلفة لقطع ما تسمّيه "الذراع الطولى" لإيران، والتي تخرّب مشروعها التوسعي في المنطقة، ولذلك يهدف الأميركي إلى تحويل الحزب من "قوة إقليمية" فاعلة إلى "ميليشيا محاصرة" ومنبوذة داخليًا بموجب قرارات "خطيئة" حكومية غير شرعية.

هذا التوجه يصب مباشرة في مصلحة الرؤية الأميركية التي تسعى لفرض اتفاقيات (شبيهة بقرار 1701 مطور ومعدّل لصالح "إسرائيل") لا تهدف لحماية لبنان، بل لتكون نموذجًا يُطبق لاحقًا في عواصم عربية أخرى لتقليص النفوذ الإقليمي المناهض لها عبر "بوابات شرعية" حكومية هشة.

التفاوض انتحار سياسي ممنهج
حسبما بات معلومًا في الأروقة الإعلامية، ووفق التسريبات المعلوماتية، أن الحكومة اللبنانية ماضية في تنفيذ مشروعها للتفاوض المباشر مع "إسرائيل" دون سقف سيادي ودون قيد أو شرط، وهي تسير في هذا الاتجاه بذراعين مقطوعين وبلا أوراق قوة وفق ما تفترضه الأعراف الدبلوماسية، وخصوصًا أثناء الحرب، سعيًا لانتزاع المكاسب، وأهم ورقة قوة يملكها لبنان تاريخيًا هي وحدته الداخلية وتكامل الأدوار بين مقاومته الميدانية ودبلوماسيته الرسمية.

أما أن تذهب الحكومة للتفاوض وهي تطعن المقاومة في ظهرها عبر تجريم سلاحها قانونيًا، وتأمر الجيش بالانسحاب ميدانيًا من نقاط التماس، فهي في الحقيقة لا تتفاوض، بل تستسلم، وتطلب صلحًا يكرس التبعية ويشرعن الاحتلال تحت مسميات "الترتيبات الأمنية".

إن هذا التوجه، الذي يسوّغه البعض بـ"إحراج الحزب" ودفعه للاعتراف بالدولة، هو في الواقع إحراج للبنان بأسره وتعرية لموقفه الضعيف أمام العالم، وما يجري اليوم في غرف السرايا الحكومية المغلقة، هو عمليًا محاولة لتوهين النتائج العسكرية والتضحيات البشرية التي بذلتها المقاومة والجيش والشعب في الحسابات الإقليمية الكبرى، فأميركا ومن خلفها "إسرائيل" تريدان من الحكومة اللبنانية الحالية أن تكون الوكيل الذي يوقع على صك التنازل عن عناصر القوة اللبنانية، مقابل وعود وهمية بالاعتراف الدولي والدعم المالي المشروط. إنهم يريدون تحويل النصر الميداني والصمود الأسطوري إلى هزيمة سياسية مدوية في اتفاق ورقي تراه واشنطن و"تل أبيب" لا يساوي ثمن الحبر الذي يكتب به.

إن أي تفاوض لبناني في ظل الانكسار الإرادي الحكومي، يُعد اعترافًا بالهيمنة المطلقة على ملفات المنطقة، وهو ما يضع السيادة اللبنانية في مهب ريح مصالح القوى الكبرى التي لا تقيم وزنًا للدول الصغيرة، كما أن السيادة ليست مبنى يُشيّد من ورق الاتفاقات الدولية المذلّة، وليست مجرد علم يُرفع فوق مقار حكومية لا تعبّر عن قرار شعبها، بل هي حقيقة تُصان بالتلاحم العضوي بين الشعب والدولة، ولكن ما تفعله الحكومة وبعض وزرائها الحزبيين المعروفين بتوجهاتهم وعلاقتهم التاريخية مع "إسرائيل" هو تدمير ممنهج لهذا المبنى الوطني عبر استهداف مكوّن أصيل وعبر التناغم المفضوح مع رغبات العدو لتأجيج الصراع في الداخل.

ليس المطلوب اليوم تنفيذ أجندات خارجية ونزع سلاح المقاومة، بل تعزيز المعادلة الوطنية عبر ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة في وجه الأطماع التاريخية، وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة عبر "مفاوضات التسليم" لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الوجودية وفتح أبواب الفتنة الكبرى التي لن توفر أحدًا.

إن الدولة التي تتخلى عن أبناء شعبها وناسها في ساحات القتال، وتتبرأ من تضحياتهم في المحافل الدولية، لا تملك الحق الأخلاقي للتحدث باسم السيادة، والشعب اللبناني -الذي خبر الحروب والمؤامرات- لا يسمح بأن تُختصر هويته وتاريخه في وفد تفاوضي يهرول نحو "السلام البخس" بإملاءات خارجية فيما العدو يمعن باعتداءاته ودماء الشهداء لم تجف بعد على تراب الوطن، إن هذا الشعب هو صاحب القرار الأول والأخير.

الكلمات المفتاحية
مشاركة