مقالات مختارة
نزار نمر - صحيفة الأخبار
تكشف حملة «لبنان لا يريد الحرب» عن مسار منظّم لتوجيه الرأي العام عبر تمويل خارجي وشبكات إعلامية مدفوعة، تُعيد إنتاج خطاب «السلام» كأداة ضغط سياسي. من اللوحات الإعلانية إلى المحتوى الرقمي، يتبيّن كيف تُستخدم المنصّات والإعلام لتشكيل سردية تخدم مصالح العدو وتعيد تعريف المزاج العام.
منذ انطلاق العدوان الصهيوني على غزّة بعيد 7 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، اكتسحت شوارع لبنان لوحات إعلانية حملت شعار «لبنان لا يريد الحرب». ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أنّ مَن يقفون خلف الحملة ليسوا دُعاة سلام، إنّما للمفارقة هواة تحريض على حرب يريدونها على مقاومة الاحتلال ولكن ليس على الاحتلال نفسه. وكان لسان حال المتلقّين الذين جهلوا مصدر الحملة في حينه: من أين لكم هذا؟
عودة مفاجئة
في عام 2024، واجه أحد إعلانات الحملة انتقادات لاذعة بسبب استخدامه صورةً لعائلة الشهيد عصام العبد الله من دون إذن العائلة التي أصدرت بيان استنكار وطالبت بإزالتها، مؤكّدةً موقفها المقاوم («الأخبار» 19/7/2024). وخفت وهجها بعد تصعيد العدوان في أيلول (سبتمبر) من العام ذاته، قبل أن تعود إعلاناتها وتفاجئ اللبنانيّين في الشهر الحالي.
شراء صحافيّين للدفع نحو التطبيع
كشفت منصّة «بيروت ريفيو» يوم الأحد الماضي أنّ عودتها ترافقت مع حملة أخرى تضمّنت منشورات ومقالات لمنصّات إعلامية وصحافيّين وناشطين لقاء مبالغ مالية، بهدف الدعوة إلى إلغاء قانون تجريم التطـبيع مع الـعدوّ الصهيوني في لبنان، بمبادرة من الإعلامي طوني بولس. واستندت المنصّة إلى معلومات أجهزة أمنية لبنانية رسمية كما أوردت، للتوصّل إلى أنّ الحملتين مموّلتان بشكل مباشر من أحمد ماهر شعبان، الشهير باسم جيري ماهر وهو المستشار الإعلامي لبهاء رفيق الحريري.
الرجل الذي تصنّفه الأجهزة الأمنية ضمن الذين تربطهم علاقة مباشرة مع كيان العدوّ، يقوم بحسب تقرير «بيروت ريڤيو» بإرسال حوّالات مالية تجاوزت قيمة إحداها المئة ألف دولار، لشراء ذمم صحافيّين ومؤثّرين ووسائل إعلام. وتضرب المنصّة مثال حرب 2024، عندما «رصدت الأجهزة الأمنية اللبنانية بيع مقالات من إسرائيليّين إلى وسائل إعلام لبنانية بالواسطة»، إذ «ينتحلون صفة مجموعة تعمل من أجل السلام في بريطانيا، وهذه المجموعة تكتب مقالات وتتواصل مع إعلاميّين وشركات في لبنان» لنشرها في إعلام لبناني.
الحملتان مموّلتان بشكل مباشر من جيري ماهر الذي تربطه علاقة مباشرة مع كيان العدوّ
وتلفت المنصّة إلى أنّه «بعد النشر، تعمد برامج حوارية ومواقع إخبارية "إسرائيلية" إلى الإضاءة على ما يُنشر في لبنان، للزعم بأنّ المزاج العام اللبناني معادي لـ«حزب الله». وبعد ذلك، تستشهد وسائل إعلامية لبنانية بما نُشر في الإعلام الإسرائيلي». أي إنّ العدوّ يستند إلى فبركاته، أو بلغة أخرى: يكذب الكذبة ويصدّقها!
ولفتت المنصّة إلى عدم تحرّك القضاء رغم أنّ التفاصيل بحوزة الأجهزة الأمنية التي أوقفت عدداً من العملاء في عام 2024. وكان قد أقرّ أحدهم أنّه طُلب منه كتابة منشورات ضدّ المقاومة ومناهضة لمهاجمة «إسرائيل» في سياق «حملة لبنان لا يريد الحرب»، وكذلك عميل آخر أوقف قبل التصعيد في العام ذاته وحوكم أمام المحكمة العسـكرية، إذ طُلب منه كتابة منشورات تدعو إلى «السلام» مع كيان الاحتلال.
شراء الصفحات من وسيط في فيتنام
وكانت «الأخبار» قد نشرت في 27 آب (أغسطس) 2024 عن تقرير أصدرته شركة «ميتا» تحت عنوان «تقرير التهديد المعادي»، فنّدت فيه حملة «لبنان لا يريد الحرب». وأشار التقرير إلى أنّ الحملة أطلقتها شركة فيتنامية تدعى LT Media، صرفت عليها 1.2 مليون دولار واستهدفت لبنان والولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا وقطر، من خلال 112 حسابًا و65 صفحة على فايسبوك و49 حسابًا على إنستغرام، أزالتها «ميتا» جميعها بسبب «انتهاكها سياسة الشركة ضدّ السلوك المنسّق غير الأصيل»، ووجّهت إنذارًا للشركة كما يرد في التقرير.
ورغم أنّ الحملة ركّزت على قطر، إلّا أنّها وضعت لوحات إعلانية كبيرة في بيروت وعلى الطرق السريعة في لبنان، حملت هاشتاغ #لبنان_لا_يريد_الحرب بالعربية والإنكليزية. كما كشف تقرير «ميتا» في حينه عن استخدام الحملة حسابات وهمية على منصّات التواصل الاجتماعي، تضع صورًا مفبركة عبر الذكاء الاصطناعي.
من جهتها، نشرت قناة «فرانس 24» الفرنسية الحكومية مقالًا عن الموضوع في 8 تمّوز (يوليو) 2024، قالت فيه إنّها تواصلت مع ممثّل عن الشركة الفيتنامية نفى علاقته بالحملة، وادّعى أنّ شركته ليست سوى وسيط يقوم ببيع الصفحات التي تحظى بعدد عالٍ من المتابعين، عبر تطبيق «تلغرام». وفيما ينشط على التطبيق بيع صفحات افتراضية وقعت ضحية القرصنة مقابل مبالغ مالية وازنة، يبدو أنّ القائمين على حملة «لبنان لا يريد الحرب» اعتمدوا على هذه الصفحات من أجل الوصول إلى أعلى نسبة ممكنة من روّاد الإنترنت في لبنان، علمًا أنّه لا يبدو أنّ لديهم مشكلة لجهة توافر الموارد المالية.
ديكتاتورية الدولار
هكذا، وكما درجت العادة في هذا البلد، يعلو صوت رأس المال على صوت الشعب، فيُختطف صوت الناس بحجّة «الديمقراطية» و«السوق الحرّ» ولو كان ذلك على حساب المجتمع وحياة البشر، فيما الواقع أنّنا نرزح تحت رحمة ديكتاتورية الدولار جيشًا وشعبًا وسلطاتٍ أربع.