مقالات مختارة
عماد مرمل- صحيفة "الجمهورية"
بينما كان المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران يتقدّم، وبينما كانت تجري الاستعدادات لجلسة مباحثات تمهيدية ثالثة بين بيروت وتل ابيب، هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي قلب الضاحية الجنوبية للمرّة الأولى منذ ولادة اتفاق النار الموقت، مستهدفاً أحد القياديين العسكريين لحزب الله، ومشوشاً على مساري التفاوض اللبناني والإيراني. فما مغزى هذا الاستهداف في توقيته ورسائله؟
يتجاوز الاعتداء الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت حدود الاستهداف الأمني المحض لشخصية عسكرية في الحزب، متخذاً أبعاداً سياسية مرتبطة بطبيعة اللحظة اللبنانية والإقليمية التي تشكّل حداً فاصلاً بين احتمالين، الذهاب إلى تسوية مُرضية للجميع، او العودة إلى الحرب الواسعة.
ووسط هذا المخاض، يحاول نتنياهو أن يكرّس الفصل العسكري والسياسي بين المسار الإيراني والمسار اللبناني، في مواجهة إصرار طهران على الربط بينهما في أي تسوية مقبلة، وبالتالي هو يسعى إلى تثبيت مفهوم «حرّية الحركة» التي مُنحت له في لبنان، بمعزل عمّا يدور في المفاوضات الإيرانية - الأميركية او المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية.
وقد احتمى نتنياهو في قصف الضاحية بما سُمّي «الحق الأصيل في الدفاع عن النفس» المعطى لإسرائيل، بموجب «مذكرة التفاهم» الأميركية، في مواجهة أي تهديدات جارية او محتملة او مخططة، وهذه احتمالات مطاطة جداً تسلّح بها نتنياهو لتنفيذ الاعتداء الجديد على الضاحية واستهداف قائد «قوة الرضوان».
والمفارقة هنا، انّه وفي حين كانت السلطة اللبنانية تدفع في اتجاه تثبيت الهدنة المترنحة، أتى الردّ الإسرائيلي على هذا المسعى، بتوسيع دائرة النار من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بحيث أصابت شظايا الغارة الإسرائيلية على حارة حريك الديبلوماسية اللبنانية، وزادت من إحراجها أمام متهميها بالإخفاق في وقف الاعتداءات وتقديم بديل مقنع عن خيار المقاومة.
وما زاد الطين بلّة، هو انّ الطرف الإسرائيلي كشف عن انّ الهجوم على الضاحية تمّ بمعرفة الأميركيين وبالتنسيق معهم، على رغم من انّ الولايات المتحدة كانت قد قدّمت نفسها على أساس انّها نجحت في أن تفرض على نتنياهو خفض التصعيد وتحييد بيروت وضاحيتها، قبل أن يتبين انّها غطّت الضربة على حارة حريك، وتفهّمت الضرورات الأمنية التي دفعت الكيان الإسرائيلي إلى تنفيذها، الأمر الذي من شأنه إضعاف ورقة التعويل الرسمي على الموقف الأميركي، كضامن لتل ابيب ولأي اتفاق لاحق معها.
وغالب الظن، انّ واشنطن وجدت في الغارة على الضاحية فرصة لضغط إضافي على طهران، عشية تحديد موقفها من ورقة الإطار او مذكرة التفاهم المقترحة لوقف الحرب بينها وبين الولايات المتحدة، خصوصاً انّ إيران تعتبر انّها كانت صاحبة الفضل الأكبر في وقف الهجمات على الضاحية، وبالتالي فإنّ استهدافها مجدداً يعرّض هذا «الإنجاز» لاهتزاز قوي ويهدّد بتداعيه.
ولعلّ نتنياهو أراد أيضاً عبر استهداف حارة حريك وكسر خارج قواعد الاشتباك المُحدثة، أن يدفع حزب الله إلى ردّ انتقامي واسع يتجاوز نمط العمليات الذي يعتمده في الجنوب، ما يستتبع بدوره رداً اسرائيلياً، بحيث تؤدي الضربات المتبادلة تحت حزام الهدنة إلى تدحرج الأمور مجدداً نحو حرب شاملة يتمنى نتنياهو استكمالها، بعدما كان قد اضطر مكرهاً إلى تخفيف وتيرتها وتضييق نطاقها بناءً على طلب الرئيس دونالد ترامب.
وهكذا يبدو واضحاً، انّ نتنياهو الذي أخفق في انتزاع صورة أو حتى اتصال مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، يريد أن يوحي بأنّ ثمن رفض التواصل معه سيكون مرتفعاً، وهذه دفعة على الحساب، وانّ التفاوض المباشر مع السلطة اللبنانية سيتواصل تحت النار الآخذة في التوسع والتمدّد.
كذلك، يسعى نتنياهو إلى استباق أي اتفاق أميركي - إيراني محتمل، بتكريس بقاء لبنان حديقة خلفية له، يسرح ويمرح فيها تبعاً لمقتضيات مصالحه وحساباته، فيما يدفع حزب الله عبر تراكم عملياته نحو تحويلها مستنقعاً للجيش الإسرائيلي، بغية استنزافه وإنهاكه في الرمال الجنوبية المتحركة.
ويبقى انّ عملية الاغتيال في الضاحية موجّهة في جانب منها إلى داخل الكيان، في سياق سعي نتنياهو إلى إرضاء المستوطنين وكسب ثقتهم، خصوصاً في مستعمرات الشمال، التي يشعر قاطنوها بأنّه كذب عليهم وأوهمهم أكثر من مرّة بأنّها أصبحت آمنة، قبل أن يتبين انّها لا تزال تحت مرمى صواريخ حزب الله.