مقالات مختارة
تنسيق أميركي – إسرائيلي من «مشروع الحرية» إلى غارة الضاحية
إيران والمقاومة: مستعدون لجولة قتال في أي وقت
ابراهيم الأمين- صحيفة "الأخبار"
في ظل التصاعد التدريجي للمواجهات في لبنان أو إيران، يتكثف العمل على الجبهة السياسية من أجل بناء وضعية جديدة لكل المفاوضين. فبعد إعلان وقف إطلاق النار وتمديده بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة ثانية، لم يظهر أن أي من الطرفين نجح في فرض معادلاته على الطرف الآخر.
بل على العكس، فإن كل ما جرى تبادله من أوراق، عكس حالاً من الجمود، التي دفعت بالولايات المتحدة إلى البحث عن مخارج في الميدان.
لكن اللافت، أن العملية التي أطلق عليها الأميركيون اسم «مشروع الحرية» بقصد سحب ورقة مضيق هرمز من يد المفاوض الإيراني، لم تكن كافية لإحداث أي خرق في المفاوضات. بل على العكس، فإن الساعات الأولى من التصعيد الذي قادته الولايات المتحدة خلق حالاً من الذعر في الدول العربية الموجودة على الضفة الغربية من الخليج، مع زيادة في المخاوف من أن أي احتكاك أميركي – إيراني على خلفية الملاحة، سوف يؤدي إلى إغلاق تام لموانئ هذه الدول، ولن يقتصر الأمر على تجميد نقل النفط. حتى وصل الأمر بالجانب السعودي إلى الحديث مباشرة مع الأميركيين ومع الباكستانيين، والإيرانيين، من أجل عدم الذهاب إلى مواجهة على خلفية الخطوة الأميركية.
وقد جاءت الخطوة السعودية، ربطاً بتقديرات موجودة لديها، من أن إيران تنوي تدمير كل مشاريع الطاقة الخاصة بالنفط والغاز في كل دول المنطقة في حال تعرض منشآتها للضرب من جانب أميركي، وأن اي محاولة أميركية لضرب وسائط النقل الخاصة بالمرافئ الإيرانية سوف ترد عليها إيران بتدمير وسائط النقل الخاصة بالمرافئ الأخرى، وبالشراكات الدولية للشحن.
لكن لماذا لجأت الولايات المتحدة إلى التصعيد، ثم بادر العدو إلى مصاحبتها بعد يومين في لبنان؟
القصة بدأت أواخر الأسبوع الماضي، حين تبلغت الولايات المتحدة أن إيران ليست بوارد تقديم تنازلات في ملف المفاوضات. وأن موقفها من الملف النووي لن يكون مختلفاً عما كان يمكن التوصل إليه في آخر اجتماع قبل بدء الحرب عليها في 28 شباط. والحقيقة، أن إيران، قالت إنها مستعدة للتعامل بمرونة لكنها لن تقبل التوقيع على أي ورقة تلزمها بوقف البرنامج النووي، خصوصاً وأنها قالت دائماً إنه برنامج سلمي.
لكن النقطة الثانية التي لا تقل أهمية، تتعلق بأن إيران، طالبت الولايات المتحدة بأن تبادر إلى إعلان كامل لنهاية الحرب. وهي خطوة لها مستلزماتها ولها أدواتها وآلياتها وتقوم على أمرين:
الأول: إعلان رسمي أميركي ملزم لإسرائيل بأن العمليات العسكرية سوف تتوقف بصورة مطلقة في إيران ولبنان والعراق معاً، وفي وقت واحد، وبصورة غير قابلة للخرق.
الثاني: لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خطوات تثبت هذا الأمر عبر انسحاب القوات الأميركية من البحور المحيطة من إيران، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من لبنان.
طبعاً، فهم الأميركيون بأن هذا الأمر، يعد بالنسبة إلى إيران فاتحة وحيدة لأي اتفاق آخر، وأن معالجة أزمة مضيق هرمز، سوف يتم علاجها تلقائياً، كون وقف الحرب وانسحاب القوات الأميركية سيترجم وقفاً للحصار البحري على إيران، مقابل أن تسمح إيران لجميع السفن بالعبور الآمن من المضيق، على أن يترك لإيران بالتنسيق مع سلطة عمان، إيجاد الآلية المناسبة لإدارة المضيق بالتفاهم مع الدول المستفيدة منه.
في هذه النقطة، لا يبدو أن أميركا مستعدة الآن للقبول بمطالب إيران، وهي تجد أن إيران ليست في موقع من يفرض الشروط. ولأجل تحويل هذا المنطق إلى واقع، لجأ الأميركيون إلى «مشروع الحرية» في الخليج، ضمن مسار يتعلق بتصعيد إضافي ضد القوات البحرية الإيرانية في الخليج، بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي في لبنان. وقد انطلقت العمليات كلها من صباح الإثنين، حيث باشر الأميركيون عملية فتح المضيق عبر ممر ضيق قريب من الحدود مع سلطنة عمان، فردت إيران بتوجيه ضربات وتهديدات أدت خلال ساعات إلى امتناع غالبية شركات الشحن عن الالتزام بالدعوة الأميركية.
وهو ما ترجم لاحقاً باستنفار غير مسبوق على الأرض. وجاءت الاتصالات السعودية – الباكستانية لتجعل ترامب يعيد النظر، خصوصاً بعد الضربات الموضعية التي وجهت إلى دولة الإمارات والتي أدت خلال ساعات إلى إفراغ ميناء الفجيرة من كل وجود مدني أو عسكري وإلى ابتعاد السفن الراسية فيه إلى مسافات في عمق الخليج. وخلال يومين، عمد الأميركيون إلى الاختبار بالنار مجدداً، عبر عملية سطو على ناقلة إيرانية بقوة النار، فردت إيران بإطلاق النار على المدمرات الأميركية التي ردت بالمثل قبل أن يقرر ترامب وقف ما سمّاه «المناوشات» وإعلان التمسك بالهدنة.
من جانب إسرائيل، كانت تنتظر دورها في التصعيد، فعمدت إلى تنفيذ عملية الاغتيال يوم الأربعاء، وأرفقتها بجولة تصعيد كلامي هي الأحب إلى قلب بنيامين نتنياهو وفريقه السياسي والعسكري، وهو ما جعل السؤال قائماً حول طريقة رد فعل حزب الله على الخطوة. وسط رهانات كبيرة في لبنان وأميركا وإسرائيل، بأن الحزب سوف يتجنب الرد حتى لا يفتح الباب لإسرائيل أمام رد أكبر، وأمام إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الإعلان عن الهدنة الأولى.
عملياً، بدا أن إيران وحزب الله قد تناقشا في ما يجري أميركياً وإسرائيلياً، وكان القرار واحداً بأنه لا يمكن السكوت عن «التحرش» القائم. وبعدما قامت إيران بتجميد الاتصالات السياسية والرد في الميدان، قرر حزب الله مغادرة مربع المواجهات القائمة منذ إعلان الهدنة، وأطلق دفعة صاروخية توعية باتجاه مواقع جديدة في شمال فلسطين المحتلة. معلناً بأنه مستعد لتحمل المسؤولية، مع ما يعني ذلك، من استعداده لعودة القتال إلى أعلى مستوى.
ويبدو واضحاً أن قراءة إيران وحزب الله لهذا التصعيد، بأنه يهدف في الدرجة الأولى، إلى جسّ نبض إيران والحزب من أجل فهم ما إذا كانا سوف يقدمان على تنازلات في الملف التفاوضي، وبينما قالت إيران إنها لن تغير في أدوات عملها في الخليج، كانت المقاومة تعطي العدو إشارة واضحة إلى أنها مستعدة لجولة جديدة من الحرب الواسعة، وتستند المقاومة هنا، إلى أنها في وضع ميداني مريح، فلا مشكلة لديها في العتاد ولا بالعديد، وأن الوقائع الجارية على الأرض تشير بوضوح إلى أن العدو لم يعد مستقراً في أي نقطة في الأراضي المحتلة، حتى أنه لم يعد يقدر على نشر جرافاته للتدمير كما جرى في المدة الأولى، نتيجة انتشار المحلقات الانقضاضية التي تجوب الجنوب بحثاً عن الجنود وعن الآليات وتحديداً بحثاً عن الجرافات والعاملين في أعمال التدمير والتجريف.
وإذا كانت المقاومة توضح لأهل السلطة في بيروت بأنها ليست معنية بكل المفاوضات الجارية، ولا بنتائجها، فهي لمست التغيير الجدي في موقف أركان السلطة، ليس لجهة تنازلهم عن موقفهم المعادي لها، ولا عن رغتبهم وليس استعدادهم للتفاوض المباشر، بل لجهة أنهم أقروا بفشل كل محاولاتهم الحصول على أي خطوة مفيدة من الجانب الأميركي، وهو ما انعكس تراجعاً في موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون من مسـألتي الدور الإيراني ومستقبل سلاح المقاومة، بينما كان رئيس الحكومة نواف سلام يكرر لازمة «أن الملف كله عند رئيس الجمهورية» وأنه يركز اليوم على ملف العلاقات اللبنانية – السورية، وأنه لا يمانع ما يراه عون مناسباً.
فيما كان الرئيس نبيه بري يذكر عون وسلام والجهات الخارجية، بأنه لا جدوى من أي خطوة ما لم تلزم الولايات المتحدة إسرائيل بوقف فعلي وشامل لإطلاق النار.
عملياً، يبدو الجميع الآن، أمام ساعات أو أيام من الانتظار، وهو انتظار يتعلق بمستقبل الوساطة الباكستانية التي تقترب من لحظة مفصلية، وفي حال قرر الرئيس الأميركي التصرف بواقعية وفقاً لنتائج المواجهة الجارية، فإن التحدي الأكبر أمامه، إيرانياً ولبنانياً، هو كيفية إلزام إسرائيل بالتراجع، والموافقة على أنه لكل قوة حدودها..!