مقالات
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
كم مرةً وافق رئيس الأركان "الإسرائيلي" على العملية البرية في لبنان، وكم مرةً وافق "الكابينت" على تعميق العملية البرية في لبنان؟ وكم من تسعين في المئة دمّر ترامب من القدرات الإيرانية؟ وكم من ثمانين في المئة دمّر من الصواريخ الإيرانية؟ هذا بخلاف الستين في المئة من الصواريخ، والثمانين في المئة من مصانع الصواريخ، والمئة في المئة من منصات الإطلاق التي دمّرتها "إسرائيل".
ولكن رغم ذلك، فإنّ ترامب يتوسل المساعدة لفتح مضيق هرمز، فيما نتنياهو يتوسل الدول الأوروبية والعربية لدخول الحرب، وإخراجه من المستنقع الذي يسميه حربًا وجودية، ويمارس الكذب المغلّف بالصلف، لإخفاء الكارثة التي تحيط بكيانه، وتلاحق رقابته العسكرية كل صورةٍ وكل تغريدة، تحاول كشف غيضٍ من فيض بؤس الواقع في الكيان.
ومن شدّة اليأس الذي يلاحق ترامب ونتنياهو، فإنّهما يرتكبان جرائم الحرب، كما فعل الكيان باستهداف الجسور في لبنان، أو يهددان بارتكابها بشكلٍ علنيّ، كما فعل ترامب بإعطاء إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، وإلّا فإنّه سيقوم بتدمير كل مصادر الطاقة في إيران، وسيبدأ من أكبرها. وهذه ليست من أفعال القدرة، أو من علامات الارتياح الواثق بالنتائج، بل من علامات اليأس الشديد.
لا يستطيع أحدٌ إنكار القدرة التدميرية لدى الجيش الأميركي، ولا القدرة على التوحش وارتكاب الجرائم، كما لا ينكر أحدٌ ذات القدرات لدى العصابات الصهيونية، التي لديها قدرة فائقة على ارتكاب جرائم الحرب والتفاخر بها، باعتبارها منجزات عسكرية واستخبارية، كما حدث على مدار عامين في غزة ولبنان واليمن، ولا زال يحدث في إيران، من قتلٍ للمدنيين إلى تفجيرات "البيجر" واغتيالات للشخصيات الرسمية، واستهداف المرافق الصحية والتعليمية ومراكز الإيواء، وما تضيق به الأسطر.
ولكن كل هذه القدرات، لم تنفع لتكون حاجزًا بين أميركا والكيان والتخبط، تخبط عسكري وسياسي واقتصادي، إلى حدّ أنّ وزير الحرب الأميركي، دون أن يدري، أعطى شهادة براءة لإيران من تهمة الطائفية ومحاولات "نشر التشيع" و"الاستهداف على أسس مذهبية"، التي افتعلتها أجهزة أميركية مدنية واستخبارية، عبر وسائل عربية نفطية إعلامية ودينية وثقافية وشعبوية.
بل منحها عن غير قصدٍ وسام شرفٍ رفيعًا، حين قال: "إنّ إيران تدعم أيّ جهة، كانت سُنية أم شيعية، طالما أنها تواجه الولايات المتحدة. فهذا النظام الشيعي كان على استعداد لإيواء أعدائنا من السنة والشيعة، طالما هم مستعدون لقتل الأميركيين. عدو عدوهم هو صديقهم، لذا فإن إيران، سواء في العراق أو أفغانستان أو في أي مكان آخر حول العالم، كانت تستهدف الأميركيين".
وهذا التخبط، الذي يتراوح بين نزق ردّ الفعل ومحاولات رتق ما انفتق بشكلٍ مؤقت، هو النقيض تمامًا للفعل الإيراني سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، حيث يبدو السلوك الإيراني سلوكًا استراتيجيًا، وهو مدروسٌ مسبقًا، وهذه إحدى نقاط القوة في الموقف الإيراني ميدانيًا وسياسيًا. فمقابل سيل التصريحات المتناقضة أميركيًا، نلاحظ ثباتًا إيرانيًا وانسجامًا في جميع المستويات، بين العسكري والسياسي.
والسؤال الأهم هنا: هل يقدِم ترامب على تنفيذ تهديده بتدمير كل مصادر الطاقة في إيران؟ وهو التهديد الذي، في حال تنفيذه، سيفرّغ جيوب واشنطن من كل خيار، وهو يُعتبر الورقة الأخيرة في جعبة ترامب، باستثناء الجنون النووي. وحينها ستدخل الحرب طريق اللاعودة، والمتوقع أن يكون ردّ إيران قاسيًا بحجم الجريمة، والأهم أنّ تنفيذ التهديد لن يدفعها للاستسلام ورفع الراية البيضاء، بل سيزيدها إصرارًا وتمسكًا بموقفها ومطالبها، وسيجعل منها آخر الحروب فعلًا.
سؤالٌ آخر: هل لا زال خيار انتهاء الحرب برواية انتصارٍ محكمة لكل أطرافها، أم أن أميركا خسرت، والجغرافيا السياسية في غرب آسيا تغيّرت للأبد؟