اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مضيق هرمز: السلاح الاستراتيجي الذي يُخضع العالم

مقالات

ترامب.. جولة
مقالات

ترامب.. جولة "أخيرة" أم خروج من المأزق بأقل الأضرار؟

169

كاتب من لبنان


مرة أخرى، مدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المهلة التي حددها لقصف مواقع الطاقة الإيرانية عشرة أيام إضافية، بعدما مددها سابقًا خمسة أيام، والجميع يتساءل: ماذا بعد؟ هل وقع ترامب في مأزق صنعه بنفسه عندما أطلق هذا التهديد لحمل إيران على التفاوض من موقع ضعف، فلم تكن هناك استجابة تُذكر؟ هل نحن أمام التحضير لـ"جولة حسم" يتقرر على ضوئها مصير الحرب التي بدأها ترامب بالتكافل والتضامن مع رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو؟ أم أن ترامب سيكتفي بصورة انتصار يستخلصها من الاغتيالات التي تمت والغارات التي نُفذت على الأراضي الإيرانية؟ وإلى أي مدى سيتمكن نتنياهو من مواصلة الإمساك بترامب في حرب مفتوحة ضد إيران؟ 

كان الرئيس الأميركي قد تراجع عن مهلة اليومين التي حددها نهاية الأسبوع الماضي لإيران من أجل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهذا التراجع المفاجئ عُزي إلى أسباب عدة، لعل أهمها الخشية من رد إيراني ينعكس على أسواق النفط والغاز. وتم توقيته لهذه الغاية مع افتتاح الأسواق الأميركية. وقد يكون عرض ترامب الجديد مجرد خدعة لكسب الوقت من أجل التحضير لعمليات عسكرية برية مثلًا، أو في سياق الرهان على تصدع في الموقف الإيراني عقب الاغتيالات التي تمت. 

وفي الوضع الراهن، حيث وصلت الحرب الى نقطة جمود، كما يقول رئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود باراك، وحيث تبدي الجمهورية الإسلامية مقاومة عنيدة للعدوان الأميركي- الصهيوني الذي أخفق في تحقيق أهدافه المعلنة لجهة إخضاع إيران وتغيير نظامها السياسي وتدمير قدراتها العسكرية، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا من قبل. وتشير العديد من المصادر الأميركية إلى تفكير لدى إدارة ترامب بعمل عسكري يكون مقدمة لإنهاء الحرب، من دون أن يعني ذلك أن العمل العسكري المرتقب سيحسم الموقف لمصلحة الولايات المتحدة و"إسرائيل"، إنما قد يكون مقدمة للنزول عن شجرة التصعيد. وهنا سيكون على ترامب إيجاد ترتيب لإقناع شريكه "الإسرائيلي" بالتوقف عند هذا الحد، لكن الأخير يشعر بعدم ارتياح حيال طريقة تفكير ترامب. وأوضح مقربون من نتنياهو لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أن القيادة "الإسرائيلية" تواجه صعوبة في قراءة مواقف ترامب بشأن الحرب مع إيران، بينما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن مصادر مطلعة أن المسؤولين "الإسرائيليين" مقتنعون بأن ترامب قد يسعى قريبًا لإنهاء الحرب. 

ويعود هذا التباين الأميركي- "الإسرائيلي" إلى صمود الجمهورية الإسلامية التي فاجأت الجميع بقدرتها على امتصاص الضربة الأولى التي تلقتها، وظنَّ الطرف المعتدي أنه يستطيع من خلال عملية "قطع الرأس" أن يدفع النظام الى الانهيار. وانتقلت القيادة الإيرانية الى موقع الفعل من دون فاصل زمني تقريبًا وتمكنت من إشغال المعتدين على جبهات متعددة، وألحقت بهم خسائر جسيمة، إلى حد أن "نيويورك تايمز" ذكرت نقلًا عن مسؤولين عسكريين أن القواعد الأميركية في الخليج أصبحت غير صالحة للإقامة بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بها في الهجمات الإيرانية. 

وفي مواجهة الشروط الـ15 التي طرحها الجانب الأميركي، تقدَّم الجانب الإيراني بمطالب مضادة تضمنت المطالبة بإنهاء الحرب والاغتيالات في إيران، وضمانات بعدم تعرض إيران لعدوان مستقبلًا، والحصول على تعويضات عن أضرار العدوان، ووقف الحروب "الإسرائيلية" في المنطقة، والاعتراف بسلطة إيران على مضيق هرمز. وتعكس هذه المطالب نقلة نوعية هجومية في المنطق السياسي لإيران يتجاوز مجرد التوقف عند الحد الأدنى المتمثل في وقف العدوان، كما جرى في نهاية حرب حزيران/ يونيو 2025. 

وتراهن إيران على عوامل عدة:
- امتلاك الدافعية للصمود انطلاقًا من أن الحرب دفاعية في وجه تحالف عدواني، ولهذا يوجد تضامن داخلي ربما هو الأوضح منذ سنوات طويلة في مواجهة هذا التحالف. 
- اتباع استراتيجية استنزاف العدو عسكريًا واقتصاديًا  كلما امتد زمن الحرب.
- امتلاك قدرات صاروخية ومسيّرات تكاد لا تنضب، وهي تسهم في ترسيخ معادلة الردع، وقد أثبتت كفاءتها واستمرارية استخدامها بالرغم من التفوق التكنولوجي للعدو، وسط تلاشي الحديث عن تراجع القدرات الصاروخية، بخلاف ما روجت الآلة الدعائية "الإسرائيلية" في الأسبوعين الأولين للحرب.
- الاستفادة القصوى من ميزة الجغرافيا الواسعة للبلاد وتضاريسها الصعبة، حيث تم بناء مدن صاروخية وبنى عسكرية تحت الجبال الإيرانية، ما يجعلها محصَّنة من الاستهداف.
- السيطرة المباشرة على حركة الإمدادات في مضيق هرمز، الشريان العالمي الإستراتيجي، ما يضع الاقتصاد الأميركي تحت ضغط متزايد. وأصبح فتح المضيق من أولى أولويات خطاب الرئيس الأميركي، بعدما كان تركيزه منصبًّا على استسلام إيران. 
- فرض معادلة الطاقة في مقابل الطاقة والقدرة على ضرب المنشآت النفطية والغازية في المنطقة بما يشكل ضررًا للمجهود الحربي الأميركي. 

وهنا يجدر التوقف عند دوافع تركيز القصف الإيراني على مواقع في دول الخليج. الهدف الأساسي من ذلك هو تعطيل القواعد العسكرية الأميركية التي تُستخدم منطلقًا للهجوم على إيران وتشكّل خط دفاع متقدمًا عن الكيان الصهيوني. أما ضرب المنشآت النفطية والغازية ضمن نطاق مدروس فهو يهدف الى تهديد مصالح الإمبراطورية الأميركية التي تسيطر شركاتها النفطية الكبرى بشكل أو بآخر على حقول النفط والغاز في هذه المنطقة، والتسبب بأزمة طاقة للاقتصاد الذي يغذي آلة الحرب الأميركية، وردع الجانب الأميركي عن ضرب منشآت الطاقة في إيران. وقد نجحت إيران في تحقيق هذه الأهداف ودفعت شركات أميركية كبرى لتعطيل أعمالها في الخليج وأوقفت مخطط ضرب منشآتها الطاقوية، كما أثّرت بشدة على الرأي العام الأميركي بنتيجة ارتفاع أسعار الوقود وما يستتبعه من ارتفاع الأسعار الاستهلاكية. طبيعي أن ذلك لا يتوقف عند حدود الولايات المتحدة ويمتد إلى دول لا علاقة لها بقرار الحرب، لكن الضغط الإيراني أسهم في تظهير الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الذين وجّه ترامب اللوم إليهم لأنهم رفضوا الانضمام الى مجهوده الحربي العدواني ضد إيران بذريعة فتح مضيق هرمز. 

وفي ضوء التباين الحاد بين أجندة العدوان ومطالب الجمهورية الإسلامية، واستمرار ارتهان الإدارة الأميركية للأجندة الصهيونية (تفكيك البرنامج النووي السلمي، وقف تطوير برنامج ايران الصاروخي، وإنهاء دعم فصائل المقاومة في المنطقة)، تبدو المنطقة أمام خيارات عدة:
- جولة تصعيد كبيرة قد تأخذ الصراع الى منحى مختلف. 
- جولة تصعيد محدودة تمهد لخروج الأميركي من الحرب بأقل الأضرار والمكاسب، وحينها سيكون عليه الضغط على حليفه "الإسرائيلي" للتجاوب مع متطلبات وقف النار أو تسوية محتملة. 
- التوصل الى وقف الحرب من دون تصعيد إضافي. وهذا مستبعد وفق المعطيات الراهنة، لأن التباعد بين المطالب الإيرانية والشروط الأميركية لا يزال واسعًا، ولا يوجد مخرج مشرّف للأميركي حتى الآن. 

في كل الأحوال، تحولت الحرب من حلم أميركي- "إسرائيلي" بإسقاط الجمهورية الإسلامية خلال أربعة أيام إلى مغامرة مفتوحة على فشل إستراتيجي للولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني الذي يُنظر إليه على نطاق واسع داخل أميركا نفسها بأنه جرّها إلى صراع يحمل تداعيات سياسية واقتصادية عليها. 

الكلمات المفتاحية
مشاركة