اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي موقع العهد: الشهيد علي شعيب كان شريكًا في صنع النصر

مقالات

مضيق هرمز: السلاح الاستراتيجي الذي يُخضع العالم
مقالات

مضيق هرمز: السلاح الاستراتيجي الذي يُخضع العالم

94


لطالما لوّحت إيران بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، إلا أن كثيرًا من الدول شكّك في قدرتها على اتخاذ هذا القرار وتنفيذه. ورغم ما أبدته طهران من مرونة خلال المفاوضات التي سبقت الحرب، فإن غطرسة الولايات المتحدة الأميركية والعدو "الإسرائيلي" قادتهما إلى التصعيد العسكري واستهداف المرشد الأعلى، في محاولة واضحة لفرض تغيير في نظام الجمهورية الإسلامية. غير أن قدرة إيران على امتصاص الضربة، والتماسك المؤسسي، والرد العسكري الواسع، قلبت موازين المواجهة. وفي تطور مفصلي، أعلنت القيادة الإيرانية إغلاق مضيق هرمز، لتدخل الأزمة مرحلة جديدة ذات تداعيات عالمية. فكيف يمكن لمضيق واحد أن يُخضع الاقتصاد الدولي؟

منذ اندلاع المواجهة، تعطّلت حركة الملاحة في مضيق هرمز بشكل شبه كامل. تعرّضت سفن لهجمات، فيما علقت أخرى على جانبي الممر البحري. ولم تبقَ التداعيات ضمن الإطار الإقليمي، بل امتدت سريعًا إلى الاقتصاد العالمي. فالمضيق يُعدّ البوابة الرئيسية لصادرات الطاقة لدول الخليج، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد الدولي.

خلال أيام قليلة من الإغلاق الفعلي، قفز سعر خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، فيما اقترب خام غرب تكساس من 97 دولارًا. كما تراجعت التدفقات النفطية عبر المنطقة بنسبة تصل إلى 90% منذ أواخر شباط، في ظل حالة عدم يقين اقتصادي أثّرت أيضًا على الطلب العالمي. وجاء ذلك رغم إعلان وكالة الطاقة الدولية ضخ نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، إضافة إلى إفراج الولايات المتحدة عن 172 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية.

على مستوى دول الخليج، ومع امتلاء قدرات التخزين، لم يعد أمام المنتجين سوى تقليص الإنتاج أو إغلاق الآبار، وهو ما بدأ فعليًا في مطلع آذار 2026. ولجأت شركات طاقة كبرى، من بينها قطر للطاقة وشل ومؤسسة البترول الكويتية وبابكو، إلى تفعيل بند "القوة القاهرة"، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ قطاع الطاقة في المنطقة.

أما العراق، سادس أكبر منتج للنفط عالميًا، فقد اضطر إلى خفض إنتاجه في البصرة بنسبة تقارب 70%، من 3.3 مليون برميل يوميًا إلى نحو 900 ألف برميل، نظرًا لاعتماد صادراته بشكل شبه كامل على المضيق. كذلك أغلقت المملكة العربية السعودية مصفاة رأس تنورة، أكبر منشآتها، فيما أوقفت الإمارات تشغيل أكبر مصافيها.

نتيجةً لذلك، ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، متأرجحة بين 100 و108 دولارات للبرميل، مقارنة بنحو 65 دولارًا قبل الحرب. وأدّى هذا الارتفاع إلى صدمات حادة في الأسواق العالمية، حيث تضاعفت أسعار الغاز في بريطانيا أكثر من مرتين، وارتفعت في السوق الهولندية بنسبة 24%. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك في موجات تضخمية تضرب الأسر والقطاعات الصناعية على حد سواء.

تاريخيًا، شهد العالم أزمات إمدادات نفطية نتيجة أحداث جيوسياسية كبرى، مثل حرب أكتوبر 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج. إلا أن الفارق الجوهري في أزمة مضيق هرمز الحالية يكمن في حجمها؛ إذ لم تتجاوز نسبة الانخفاض في الإمدادات سابقًا 6% في أقصى الحالات، بينما يواجه العالم اليوم نقصًا يقارب 20%، ما يجعل هذه الأزمة الأكبر من نوعها في تاريخ أسواق الطاقة.

تنعكس هذه التطورات في ضغوط اقتصادية هائلة على الدول المستوردة للطاقة، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف التأمين، والأسمدة، والنقل. ورغم أن دول مجلس التعاون الخليجي تستفيد عادة من ارتفاع الأسعار، فإنها في هذا الظرف تواجه خسائر مباشرة نتيجة تعطّل الصادرات واستهداف البنية التحتية. فقد اضطرت قطر، التي تؤمّن نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، إلى وقف صادراتها، فيما قُدّرت خسائر دول الخليج مجتمعة بنحو 15 مليار دولار منذ بداية الحرب.

يُعدّ الاتحاد الأوروبي من أبرز المتضررين، خاصة في ظل اعتماده الكبير على الغاز، وتراجع مخزوناته بعد فصل الشتاء. وتواجه دول مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وبلجيكا ضغوطًا متزايدة، في حين ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 70%. كما فرضت بعض الدول، مثل كرواتيا والمجر، سقوفًا سعرية للحد من التداعيات.

أما المملكة المتحدة، فتواجه بدورها تحديات كبيرة، إذ يشكّل الغاز نحو 30% من إنتاج الكهرباء و70% من التدفئة المنزلية، ما يجعلها عرضة مباشرة لصدمات الأسعار.

يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن إغلاق مضيق هرمز إلى نشوء تضخم مدفوع بالتكاليف، حيث ترتفع كلفة الإنتاج والنقل بشكل مباشر، ما ينعكس في زيادة أسعار السلع والخدمات عبر مختلف القطاعات. ولا يقتصر الأثر على الأسعار فحسب، بل يمتد ليؤدي إلى تآكل الدخل الحقيقي للأسر، خاصة في الدول المستوردة للطاقة، حيث تتراجع القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة دون زيادة موازية في الأجور. في الوقت نفسه، يواجه القطاع الصناعي ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار المدخلات الأساسية، ما يؤدي إلى تراجع في الإنتاج الصناعي أو خفض مستويات التشغيل، خصوصًا في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وعلى المستوى الخارجي، تتفاقم الاختلالات الاقتصادية، إذ تعاني الدول المستوردة من تدهور في ميزانها التجاري نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات النفطية، ما يزيد الضغوط على عملاتها واحتياطاتها من النقد الأجنبي.

وبحسب تقديرات بنك دالاس الفيدرالي، فإن سحب نحو 20% من إمدادات النفط العالمية خلال الربع الثاني من عام 2026 قد يرفع سعر خام غرب تكساس إلى 98 دولارًا، ويخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 2.9 نقطة مئوية. وإذا استمر النقص لفترة أطول، قد تصل الأسعار إلى 115 دولارًا ثم 132 دولارًا، مع استمرار التراجع في معدلات النمو العالمي.

 لن يقتصر تأثير إغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة فحسب، بل سيمتد إلى تكاليف النقل وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان حيوي للنظام الاقتصادي العالمي، وأي خلل فيه كفيل بإعادة تشكيل موازين الاقتصاد الدولي. فالولايات المتحدة الأميركية سيطرت على التجارة العالمية بسيطرتها على الممرات المائية فماذا لو أغلقت حركة أنصار الله في اليمن باب المندب أيضًا؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة