اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي السيد مجتبى الخامنئي: القوات المسلحة الإيرانية والشعب سيواصلون طريق المقاومة

مقالات

حين تنقلب الموازين: كيف فرضت إيران معادلاتها في حربٍ أُريد لها أن تكون خاطفة؟
مقالات

حين تنقلب الموازين: كيف فرضت إيران معادلاتها في حربٍ أُريد لها أن تكون خاطفة؟

251

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  


لم تكن الحسابات الأولى التي وضعتها كلٌّ من الولايات المتحدة و"إسرائيل" لهذه الحرب تُخفي طابعها: ضربة سريعة، صادمة، تُسقط النظام في إيران خلال ساعات أو أيام معدودة، مستندة إلى رهانٍ مركَّب على عامل الاغتيال، والانهيار الداخلي، والتفوق العسكري الساحق. لكن ما جرى على أرض الواقع لم يكن سوى انقلابٍ تدريجي في موازين القوة، أعاد صياغة المشهد برمَّته، ونقل زمام المبادرة من يد المهاجم إلى يد المستهدَف.

منذ اللحظة الأولى، بدا أن طهران قرأت طبيعة الهجوم لا كعملية محدودة، بل كحرب وجود، فجاء الردُّ الإيراني بعد ساعات قليلة، سريعًا ومباشرًا، مستهدفًا القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة، في رسالة واضحة: أي اشتباك مع إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها. هذا التوسُّع المدروس في مسرح العمليات أسقط أحد أهم رهانات واشنطن و"تل أبيب"، وهو احتواء الردِّ ضمن نطاق جغرافي ضيٍّقٍ.

ولم يكن ذلك الردُّ مجرَّد فعل انفعالي، بل عكس جهوزية مُسبقة وبنية قرار متماسكة، توحي بأن سيناريو المواجهة الشاملة كان حاضرًا في غرف التخطيط الإيرانية منذ سنوات. فسرعة الانتقال من حالة الصدمة إلى الفعل الهجومي المنسَّق تعكس منظومة قيادة وسيطرة قادرة على العمل تحت الضغط، وعلى توزيع الأدوار بين الجبهات المختلفة بكفاءة عالية.

في الوقت نفسه، حملت الضربات الصاروخية التي طالت عمق الكيان "الإسرائيلي" دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر. إذ إن استهداف (القلب) بصواريخ مدمِّرة أعاد تثبيت معادلة الردع التي سعت "إسرائيل" طويلًا إلى كسرها، وأظهر أن التفوق التكنولوجي لا يكفي لحماية الجبهة الداخلية حين تتكثف النيران وتتنوع وسائطها.

كما كشفت هذه الضربات عن تطورٍ نوعي في ترسانة الصواريخ، سواء من حيث الدقة أو القدرة التدميرية أو أساليب الإطلاق المتزامن، ما أدى إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي، واستنزافها على مدى زمني طويل. وهنا، تحديدًا، برز عامل (الإشباع الناري) كأداة تكتيكية قلبت قواعد الاشتباك، وفرضت واقعًا جديدًا على منظومة الحماية "الإسرائيلية".

غير أن التحول الأبرز لم يكن فقط في تبادل الضربات، بل في إدارة الزمن. فالحرب التي خُطط لها أن تكون خاطفة تحولت إلى مواجهة مفتوحة، استنزفت الطرفين، لكنَّها منحت إيران عنصرًا حاسمًا: الوقت.

 ومع مرور الأيام، تآكلت فرضية (الانهيار السريع)، وبرزت قدرة الدولة الإيرانية على امتصاص الصدمة، وإعادة تنظيم صفوفها، والاستمرار في القتال بوتيرة محسوبة. فالزمن هنا لم يكن عنصرًا محايدًا، بل تحوَّل إلى سلاح بحد ذاته. كل يوم إضافي كانت تصمد فيه طهران، كان يعني تآكلًا في صورة الردع لدى خصومها، وارتفاعًا في كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. ومع اتساع دائرة التأثير، بدأت الضغوط تتزايد داخل العواصم الداعمة للحرب، حيث لم تعد النتائج تتناسب مع حجم المخاطر المتصاعدة.

في موازاة ذلك، استخدمت طهران أوراق القوة الجيوسياسية التي لطالما لوَّحت بها. فالتلويح بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لم يكن مجرد تهديد نظري، بل تحوَّل إلى عامل ضغط فعلي على الأسواق الدولية، وعلى حسابات القوى الكبرى. وكذلك الأمر بالنسبة لـباب المندب، حيث تداخلت المصالح الدولية والإقليمية، وارتفعت كلفة أي تصعيد محتمل إلى مستويات غير مسبوقة.

وقد انعكس هذا الضغط مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، حيث باتت أي إشارة إلى تعطيل الملاحة كفيلة بإحداث تقلبات حادة في الأسعار، وإرباك سلاسل الإمداد. وهنا، لم تعد المواجهة محصورة في بعدها العسكري، بل تمددت إلى الاقتصاد العالمي، ما منح إيران ورقة تفاوضية غير تقليدية، لكنها بالغة التأثير.

أما المفاجأة التي قلبت المشهد الميداني، فتمثلت في دخول حزب الله على خط المواجهة بعد فترة من الصمت النسبي. هذا التدخل لم يكن مجرد إسناد تقليدي، بل جاء بزخم عملياتي فاجأ حتى الحلفاء قبل الخصوم، وفتح جبهة جديدة أربكت الحسابات العسكرية "الإسرائيلية"، وفرضت توزيعًا قسريًا للقوة، خفَّف الضغط عن الجبهة الإيرانية الأساسية.

ولعل الأهم في هذا التدخل أنه لم يكن رمزيًا أو محدودًا، بل حمل سمات عمل عسكري منظم، يعتمد على تنوع الوسائط بين الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيَّرة، واستهداف الأهداف التكتيكية والاستراتيجية على حد سواء. هذا التعدد في أدوات الاشتباك جعل من الصعب على "إسرائيل" احتواء التهديد ضمن معادلات تقليدية.

إلى جانب ذلك، برزت معالم (وحدة الساحات) بشكل أوضح من أي وقت مضى، حيث تداخلت الجبهات وتكاملت الأدوار، ما جعل أي محاولة لعزل ساحة عن أخرى أمرًا شبه مستحيل. هذا الترابط البنيوي بين أطراف المحور أعاد تعريف مفهوم الحرب الإقليمية، وحوَّلها من مواجهة ثنائية إلى شبكة صراعات مترابطة.

هكذا، لم تعد الحرب تلك التي أُريد لها أن تكون ضربة قاضية، بل تحولت إلى ساحة صراع مركَّب، تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، والاقتصاد بالعسكر. ومع كل يوم يمر، كانت إيران تنتقل من موقع الدفاع إلى موقع فرض الشروط: توسيع الاشتباك عند الحاجة، ضبط الإيقاع حين يلزم، واستخدام أوراق الضغط في توقيتٍ محسوب.

ولم يقتصر هذا التحول على الميدان فقط، بل امتد إلى الخطاب السياسي والإعلامي، حيث بدأت ملامح السردية تتغير تدريجيًا. فبعدما كانت إيران في موقع المتلقي للضربة، أصبحت طرفًا يُملي معادلات جديدة، ويعيد رسم حدود الاشتباك وفق رؤيته، مستفيدًا من فشل الخصوم في تحقيق أهدافهم المعلنة.

في الخلاصة، ما جرى ليس مجرد صمود دولة تحت النار، بل إعادة تشكيل لمعادلات القوة في المنطقة. فالحرب التي بدأت على أساس التفوق المطلق انتهت إلى توازنٍ قلق، تُمسك فيه طهران بخيوط متعددة، وتفرض عبرها إيقاعًا جديدًا: لا حسم سريعًا، ولا انتصارًا بلا كلفة ، بل معادلة مفتوحة تُدار على حافة الانفجار.

إنها لحظة تحوُّل تاريخي، لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بما ستتركه من آثار عميقة على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى طبيعة الصراعات المقبلة، حيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا، بل باتت القدرة على الصمود، وإدارة الزمن، وتوظيف الجغرافيا، هي العوامل الحاسمة في رسم ملامح المستقبل.

الكلمات المفتاحية
مشاركة