نقاط على الحروف
مع دخول اليمن على خط المواجهة وتصاعد الحديث عن حسابات إقفال مضيق باب المندب، إضافة إلى مشاركته في قصف جنوبي فلسطين المحتلة، بلغ التصعيد مستوى غير مسبوق مع اتساع رقعة المواجهة لتشمل الخليج و"إسرائيل" ولبنان في وقت واحد، ما عكس انتقال الصراع إلى مرحلة إقليمية مفتوحة ومتعددة الجبهات، مع تهديد مباشر لأحد أهم الممرات البحرية العالمية.
في هذا السياق، نفذت إيران ضربات مباشرة داخل الخليج مستهدفة مواقع تمركز القوات الأميركية، ما أدى إلى خسائر كبيرة وأرسل رسالة واضحة بأن المنطقة لم تعد ملاذاً آمناً. بالتوازي، تم تدمير مستودعات أنظمة عسكرية متطورة وإلحاق ضرر ملحوظ بالقدرات الجوية الأميركية، في وقت تعرض فيه الداخل "الإسرائيلي" لضربات طالت بنية الحرب الإلكترونية ومناطق حيوية، ما انعكس على قدرات الرصد والإنذار وزاد من القلق بشأن تطورات أخطر.
في جنوب لبنان، شهدت الجبهة تصعيداً شديداً مع عمليات نوعية وكمائن أدت إلى خسائر في صفوف القوات "الإسرائيلية" واستنزاف واضح لقدراتها، تزامناً مع ضغط داخلي متزايد. وعلى المستوى الجوي، برزت مؤشرات خطيرة تعكس تصاعد المواجهة المباشرة، ما يؤكد أن الحرب دخلت مرحلة جديدة قائمة على تعدد الجبهات وارتفاع وتيرة الخسائر.
في هذا السياق، يُقدَّم الطرح الأميركي للهدنة على أنه محاولة لإعادة ترتيب الدفاعات، بينما ترفضه إيران وتلوّح بتوسيع المواجهة، في مقابل تصعيد ميداني من لبنان يشير إلى تغيير في قواعد الاشتباك واستهداف العمق. كما تظهر المعطيات تضرر قواعد أميركية في الخليج وسقوط ضحايا، بالتوازي مع تصاعد الانتقادات داخل الكونغرس في أميركا.
اقتصادياً، تتزايد التداعيات العالمية مع مخاوف من أزمة طاقة وارتفاع أسعار الوقود، خاصة في أميركا وأوروبا، ويتضاعف هذا القلق مع احتمال تعطيل الملاحة في باب المندب، ما قد يؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
في قراءة تحليلية، يرى الباحث والكاتب في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وتحليل الخطاب توينه فان تيفيلن أن احتمالية اللجوء إلى السلاح النووي لم تعد مستبعدة كما في السابق، بل أصبحت مرتبطة بمسار التصعيد ذاته، حيث إن استمرار الحرب واستنزاف الخيارات التقليدية قد يدفع نحو مراحل أكثر تدميراً، خاصة مع تراجع الضوابط الدولية.
بدوره، يحذّر الكاتب والصحفي والمحلل السياسي البريطاني أوين جونز من أن الخطاب السياسي التصعيدي، خصوصاً من قبل دونالد ترامب، يهيّئ الأرضية النفسية والسياسية لمثل هذا الخيار، معتبراً أن المشكلة تكمن في مسار تدريجي قد يجعل استخدام السلاح النووي يبدو مقبولاً مع الوقت.
أما أليكس يانغر، الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطانية (MI6)، فيقدّم تقييماً ميدانياً مختلفاً، إذ يرى أن إيران لا تتراجع بل تحقق تقدماً نسبياً، مستفيدة من أوراق استراتيجية مثل التحكم بممرات الطاقة وتوسيع نطاق المواجهة، ما يعقّد حسابات واشنطن ويجعل خيار الحسم السريع أقل واقعية.
هذا التداخل بين التقدير الأكاديمي، والتحليل الإعلامي، والتقييم الاستخباراتي، يرفع منسوب المخاطر، خاصة مع العامل الشخصي المرتبط بدونالد ترامب، الذي قد يجد نفسه بين خيار القبول بتسوية غير مكتملة أو التصعيد للحفاظ على صورته السياسية.
بالمحصلة، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة شديدة الخطورة، حيث لا تكمن التهديدات فقط في القرارات المباشرة، بل في المسار التصاعدي نفسه، الذي يبدأ بالضغوط ويتدرج نحو مستويات أعلى من المواجهة، وقد يصل إلى نقطة يصعب عندها التراجع.