مقالات مختارة
لينا بعلبكي- صحيفة الأخبار
رغم أن الحرب التي بدأتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 شباط الماضي، لم تنتهِ بعد، إلا أن إحدى أبرز نتائجها بدأت تتّضح؛ والمقصود بها انهيار أسطورة الأمن الأميركي المطلق، والتي شكّلت ركناً أساسياً في النظام الدولي العالمي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وركيزةَ النظام الاستراتيجي في الخليج. فعلى مدى عقود، عاشت ممالك الخليج على قناعة راسخة بأن أمنها مضمون بفضل القوة العسكرية الأميركية؛ غير أن الردّ الإيراني على العدوان الأميركي - الإسرائيلي باستهداف دقيق للمنشآت العسكرية والمصالح الأميركية في أنحاء الخليج، فعل فعله في تقويض تلك القناعة.
ومع أن الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاءهما الرئيسيين في الخليج أنفقوا، خلال أول 16 يوماً فقط من الحرب، قرابة 26 مليار دولار على العمليات الدفاعية والهجومية، إلا أن ضخامة هذا الإنفاق لم تنجح في منع إخلاء القواعد العسكرية الأميركية وتفريق القوات فيها. وهكذا، بدت واشنطن عاجزة حتى عن حماية قواعدها بشكل كامل، في وقت شُلّ فيه مضيق هرمز بفعل التهديد الإيراني، ولم يستطع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الوفاء بالوعد الذي أطلقه، في 4 آذار الجاري - أي بعد أسبوع على بدء العدوان -، بأن بلاده «ستضمن التدفّق الحر للطاقة إلى العالم».
وكان نموذج مصغّر من هذا القصور تجلّى في عام 2019، حينما استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ يمنية منشآت حيوية في قطاع النفط السعودي، من دون أن تقابَل بردّ أميركي يُذكر. ولعلّ هذه الحادثة، إلى جانب تصدّعات أخرى في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، أسهمت في تحقيق التقارب السعودي - الإيراني عام 2023، بوساطة صينية، وسط إدراك متزايد لكون الأمن الإقليمي لا يجب أن يعتمد كلياً على الولايات المتحدة.
والواقع أن الأزمة الراهنة تحيل إلى أزمة نظام الأمن نفسه الذي حكم المنطقة لنحو نصف قرن. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي - بعد الثورة الإسلامية الإيرانية والحرب العراقية - الإيرانية - حكمت الخليجَ معادلةٌ عنوانها أن تضمَن الممالك النفطية تدفّق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي، بينما تؤمّن الولايات المتحدة الحماية لها من التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها ما سُمّي وقتذاك «التهديدات» الآتية من الثورة الإسلامية الإيرانية - بعدما قلبت الأخيرة التوازن الإقليمي الذي كان قائماً قبل عام 1979، بإسقاط حكم الشاه محمد رضا بهلوي.
وجمع هذا النظام الأمني بين الاعتماد على القواعد العسكرية الأميركية، ولا سيما في الإمارات والكويت وقطر والسعودية والبحرين، وصفقات السلاح الضخمة، والتعاون الاستخباراتي، بالإضافة إلى وعد ضمني بالتدخل العسكري عند الأزمات.
وبينما اعتادت نخب الخليج العيش تحت هذه المظلّة الاستراتيجية، حتى مع تصاعد الحروب في العراق وسوريا واليمن، فهي استطاعت الحفاظ على درجة استقرار «استثنائية» مقارنة ببيئة شرق أوسطية عانت من الحروب والويلات المتواصلة.
على أن حرب الإبادة التي شنّها الكيان الصهيوني ضدّ قطاع غزة، أظهرت أن اتفاقيات التطبيع التي هرولت دول الخليج إلى إبرامها مع إسرائيل عام 2019، برعاية ترامب، كان هدف الأخير منها حماية إسرائيل وليس العكس، وهو ما اختُبر بوضوح إبّان تصدّي دول الخليج للصواريخ الإيرانية خلال الردّ الإيراني على قصف القنصلية الإيرانية في سوريا، وأيضاً خلال حرب الـ12 يوماً ضدّ الجمهورية الإسلامية في حزيران الماضي. ويضاف إلى ذلك، القصف الإسرائيلي في قطر، والذي استهدف قادة حركة «حماس»، وشكّل وقتذاك نموذجاً آخر من التجاوز الإسرائيلي لـ«الخطوط الحمراء».
أمّا اليوم، فإن الحديث عن «هدنة غير معلنة» بين قطر وإيران - انتقلت بموجبها الأولى إلى «تحييد» نفسها عن الحرب، بعد خروج قاعدة «العديد» عن الخدمة وخروج القوات الأميركية من الأراضي القطرية، يُعدّ أبرز مثال على الخطوات العملية التي من الممكن أن تنتهجها الدول الخليجية للخروج بأقلّ الخسارات من حرب هي أساساً ليست حربها.
والجدير ذكره، هنا، أن هذا التحول جاء إثر الاستهداف الأميركي - الإسرائيلي لـ«حقل فارس» الإيراني، والذي زعم ترامب أن إسرائيل وحدها تقف وراءه، بعدما جاء الردّ الإيراني عليه، في اليوم نفسه، باستهداف منشأة «غاز اللؤلؤ» في مدينة رأس لفان الصناعية القطرية.
وفي هذا الإطار، تقول مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» للأبحاث، سَنَم وكيل، إن ما يجري يعدّ «أسوأ كابوس» بالنسبة إلى الخليج، مشيرة إلى أن «هناك غضباً وإحباطاً عميقين» لدى الدول الخليجية تجاه الولايات المتحدة، نظراً إلى أن «هذه ليست حربهم، ومع ذلك فإنهم يتحملون وطأتها». وتضيف وكيل، في حديثها إلى صحيفة «الغارديان»، أن دول الخليج سعت طويلاً إلى إقامة شراكة أمنية مع الولايات المتحدة مماثلة لتلك التي تتمتع بها إسرائيل، لكنها أدركت الآن أن «ذلك قد لا يتحقق أبداً». وفي السياق نفسه، ذكر مراسل «القناة 12»، عميت سيغال، أن إسرائيل عرضت على الولايات المتحدة «بناء قواعد على الأراضي الإسرائيلية، من المحتمل أن تحلّ محل قواعدها الحالية في دول من مثل قطر»، وهو ما يعدّ واحداً من احتمالات إعادة التموضع الأميركي بعد خسارة واشنطن أكبر قاعدة لها في الشرق الأوسط، هي «العديد».
ورغم وجود بدائل متاحة أمام الدول الخليجية لضمان أمنها، ومن بينها التقارب مع محيطها الإيراني، والشرقي بشكل عام، بما فيه الصين وروسيا، تدأب مراكز الأبحاث العالمية الغربية على الترويج لغياب أي بدائل من هذا النوع. ومن بين تلك المراكز، «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، الذي ذهب أبعد من ذلك بتبريره «التخلّي» الأميركي عن دول الخليج، بأنه «التباس» لدى البعض حول «نظام الأمن» الذي أنشأته الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن واشنطن تركّز «على الاستجابة الحاسمة للنزاعات الأشد تهديداً للاستقرار فحسب، مثل الحرب الكورية عام 1950، وغزو الكويت عام 1990، والحرب الدائرة في أوكرانيا اليوم، في حين تُركت التحديات العسكرية الأقلّ أهمية أو المحدودة زمنياً للمعالجة الدبلوماسية أو لتتعامل معها الأطراف المتضرّرة بنفسها».
ويتساوق ما تقدّم، مع ما ذهبت إليه وكيل نفسها التي ترى أنه رغم إدراك دول الخليج الحاجة إلى تنويع شركائها الأمنيين، لكنّها لا تملك «بديلاً» من الولايات المتحدة، يقوم بـ«دور الحامي النهائي لها»، وتقول: «لن يتحرك الخليج بسرعة - ولا يمكنه ذلك - نحو إيجاد بدائل من الولايات المتحدة. لكنه أيضاً لن يكتفي بمضاعفة الاعتماد على شريك غير موثوق». وترجّح أن يمضي الخليج إلى «السعي لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، وهو مسار كان يلوح في الأفق بالفعل».
ولعلّ التقارب الملحوظ الذي شهدته العلاقات بين الصين والهند بعد سنوات من التوترات الحدودية والتنافس الإقليمي - رغم العقبات التي لا تزال تعترضه، هو أبرز مثال على المنعطفات التاريخية التي تدفع الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية. والجدير ذكره، هنا، أن سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المتشدّدة تجاه شركاء واشنطن التجاريين هي التي أسهمت في تسريع هذا التقارب، وخصوصاً بعدما هدّدت إدارة ترامب بمضاعفة الرسوم الجمركية على السلع الهندية لتصل إلى 50%.