اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي اليمن يكمل الدائرة ويضع النقاط على حروف المعركة الوجودية

مقالات

المنطقة العازلة: إعادة إنتاج الفشل في بيئة عملياتية أكثر تعقيدًا
مقالات

المنطقة العازلة: إعادة إنتاج الفشل في بيئة عملياتية أكثر تعقيدًا

72

ما أعلنه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو حول توسيع “المنطقة العازلة” في جنوب لبنان لم يتبلور كنتاج ظرفي للحرب بل سبق أن أعلنه في 19 شباط خلال كلمة له في تخريج دورة ضباط، أي قبل نحو 11 يومًا من الحرب على لبنان. ولذلك هو في جوهره امتداد لمسار استراتيجي سابق. وهو، كما أوضح أيضًا، جزء من تصور أمني تم تحديثه داخل المنظومة الأمنية "الإسرائيلية" بعد صدمة "طوفان الأقصى". هذه النقطة أساسية، لأنها تنقل النقاش من مستوى “رد فعل” إلى مستوى “إعادة تعريف البيئة الأمنية”، أي من التكتيك إلى العقيدة.

بداية، يجدر التذكير بالأطماع "الإسرائيلية" المعلنة بهذه المنطقة تحديدًا. وهو أمر سبق أن توالى تناوله على ألسنة العديد من القادة "الإسرائيليين" وعلى رأسهم بن غوريون الذي طالما حلم بأن يكون الليطاني حد الكيان الشمالي في انطلاقته عام 1948، وعلى أن تكون مساحة التوسع لاحقًا بحسب المتغيرات للمناطق التي تليه.

مع ذلك، تبدو فكرة “المنطقة العازلة” كأحد أعمدة المفهوم الأمني الجديد الذي يقوم على تقليص المخاطر عبر الجغرافيا، لا عبر الردع فقط. بمعنى آخر، "إسرائيل" لم تعد تثق بقدرتها على منع أعدائها من المبادرة بالضربة، بل تسعى إلى خلق مساحات فاصلة تمتص الصدمة قبل وصولها إلى الداخل. لكن هذا التحول يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بفشل نموذج الردع التقليدي، لأن اللجوء إلى الجغرافيا كبديل هو دليل على أن الردع لم يعد كافيًا بذاته.

غير أن هذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من منطق “وقائي”، يعاني من إشكالية بنيوية تتكرر تاريخيًا. فالعنوان الذي يرفعه نتنياهو اليوم، أي “تغيير الواقع الاستراتيجي في الشمال”، ليس جديدًا. لقد استُخدم الخطاب ذاته في حرب لبنان 2006، وأيضًا في حرب "أولي البأس" في العام 2024، بما في ذلك تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات. وفي كل مرة، كان الهدف المعلن هو خلق بيئة آمنة ومستقرة على الحدود الشمالية، لكن النتيجة الفعلية كانت عكس ذلك: استنزاف طويل، وتآكل تدريجي للقدرة على السيطرة، وانتهاء بانسحاب أو إعادة تموضع.

هنا تبرز المفارقة المركزية: إذا كانت هذه الاستراتيجية قد فشلت في ظروف أقل تعقيدًا، فما الذي يجعلها قابلة للنجاح اليوم؟ صحيح أن هناك متغيرات داخلية لبنانية وإقليمية وداخلية "إسرائيلية" تصب في مصلحة الاحتلال، إلا أنه من الناحية العملياتية حصلت تحولات جذرية، لكن ليس بالاتجاه الذي يخدم هذا الطرح. ففي التسعينيات، كان الاحتلال يعتمد جزئيًا على “جيش لحد” لتقاسم العبء، بينما اليوم سيتحمل الجيش "الإسرائيلي" العبء كاملًا، ما يعني استنزافًا بشريًا ولوجستيًا أكبر. كذلك، تطوّرت أدوات المقاومة بشكل نوعي؛ فبدلًا من عمليات تسلل بطيئة ومحفوفة بالمخاطر، أصبحت المسيّرات تتيح ضرب الأهداف خلال دقائق، وبكلفة منخفضة، ومن دون تعريض العناصر بالضرورة للخطر المباشر. هذا فضلًا عن الكمائن والعمليات المباشرة.

الأمر ذاته ينطبق على تطور القدرات النارية، حيث دخلت أسلحة مثل صواريخ "الكورنيت" إلى المعادلة، ما يجعل أي تموضع ثابت عرضة للاستهداف الدقيق. وهذا يعيد تعريف “المنطقة العازلة” من كونها مساحة حماية إلى كونها مساحة تهديد، لأن انتشار القوات فيها يحولها تلقائيًا إلى أهداف مكشوفة. بعبارة أخرى، الجغرافيا التي يُفترض أن تحمي، قد تتحول إلى عبء عملياتي.

من جهة أخرى، فإن هذه المنطقة العازلة، لن تستطيع حماية المستوطنات الشمالية وما هو أبعد من ذلك، خاصة وأن صواريخ المقاومة تطال العمق "الإسرائيلي".

إلى جانب ذلك، هناك بُعد اجتماعي-سياسي لا يقل أهمية. ففشل المسارات الدبلوماسية للدولة اللبنانية، أو عجزها عن تقديم بدائل واقعية، يعزز من موقع المقاومة كخيار وحيد في نظر شريحة واسعة من السكان، خصوصًا في الجنوب. هذا العامل يضفي على المواجهة طابعًا بنيويًا، لا ظرفيًا، ويجعل أي محاولة لفرض واقع أمني جديد بالقوة عرضة للاهتزاز.

كما أن توسيع المنطقة العازلة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية على مستوى “الأمن الذي يُراد تحقيقه”. فبدلًا من إبعاد التهديد، قد يتمدد مسرح العمليات، وتتحوّل المستوطنات نفسها إلى أهداف ضمن مدى أوسع وأكثر تنوعًا من الوسائل. وهنا يُطرح السؤال: هل يتم فعلًا تقليص التهديد، أم إعادة توزيعه بطريقة أكثر خطورة؟.

في المحصلة، يبدو أن الطرح "الإسرائيلي" يعاني من تناقض داخلي بين الهدف والوسيلة. فهو يسعى إلى تحقيق أمن مستدام عبر أداة أثبتت تاريخيًا أنها تنتج حالة من عدم الاستقرار المستمر. ومع تطور قدرات المقاومة، وتغير طبيعة الحرب نحو نماذج أكثر مرونة وسرعة، تصبح فكرة السيطرة الجغرافية أقل جدوى، وأكثر كلفة.

الخلاصة أن ما يُقدَّم كـ“تغيير للواقع الاستراتيجي” قد يكون في الواقع إعادة إنتاج لنموذج سبق أن فشل، ولكن في بيئة أكثر تعقيدًا. وبالتالي، فإن احتمال تحقيق الأهداف المعلنة يبقى محدودًا، بينما تتزايد احتمالات الانزلاق نحو استنزاف طويل، حيث تتحوّل المنطقة العازلة من حل أمني إلى مشكلة أمنية بحد ذاتها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة