مقالات
لم تنتهِ مفاجآت حزب الله حتى الآن، إذ تشير قراءات بعض المعنيين المتابعين لتفاصيل الميدان إلى أنّ ما جرى لا يمثّل سوى بدايات المواجهة، وأنّ ما هو آتٍ قد يحمل تطورات تتجاوز توقّعات الصديق قبل الخصم. ففي المرحلة التي أعقبت الالتزام بوقف إطلاق النار، وما رافقها من إعلان "تسليم الأمر للدولة"، لم يدخل الحزب في حالة جمود أو انكفاء، بل استمرّ نشاطه بوتيرة مرتفعة وعلى مدار الساعة.
خلال هذه الفترة، عملت خلاياه على إعداد الخطط ورسم معالم المرحلة المقبلة، مستفيدة من الوقت المتاح لإعادة التنظيم وتقييم التجربة السابقة، بما يتلاءم مع طبيعة المواجهة المتغيرة. هذا النشاط غير المرئي، الذي جرى بعيدًا عن الواجهة، شكّل الأساس لما ظهر لاحقًا في الميدان، حيث تبيّن أنّ مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لم تكن نهاية الصراع، بل انتقالًا إلى طور جديد أكثر تعقيدًا وتنظيمًا.
رؤية الإعلام الغربي:
منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بدأ التوتر على الحدود اللبنانية الجنوبية يتخذ مسارًا تصاعديًا تدريجيًا، وسط تقديرات غربية رجّحت أن أي مواجهة واسعة ستُحسم سريعًا بفعل التفوق العسكري "الإسرائيلي". غير أنّ تطور الأحداث بين 2024 وآذار/ مارس 2026 دفع الصحافة الأميركية والبريطانية إلى مراجعة هذا التصور بشكل عميق، حيث تبيّن أنّ الحرب لم تتبع النمط التقليدي المتوقع.
تشير تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أميركا (CSIS) إلى أنّ المواجهة لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل جاءت نتيجة تراكم اشتباكات طويلة، مع تسجيل أكثر من 4400 هجوم متبادل منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ما يجعلها أقرب إلى نموذج "التصعيد التدريجي" منه إلى حرب تقليدية. وقد شكّل عام 2024 نقطة التحول الأساسية، إذ توسعت العمليات إلى حرب واسعة استمرت أشهرًا، وانتهت باتفاق وقف إطلاق نار في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بعد دمار كبير في جنوب لبنان، كما وثّقته صحيفة The Guardian في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
إلا أنّ هذا الاتفاق لم يؤسس لاستقرار دائم، إذ عاد التصعيد في آذار/ مارس 2026 مع عملية برية "إسرائيلية" هدفت إلى إنشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني، وهو ما وصفته صحيفة Le Monde في 5 آذار/ مارس 2026 بأنه تصعيد كبير يعكس فشل الهدنة. ضمن هذا السياق، بدأت الصحافة الغربية تتحدث عن "مفاجأة"، لكنها لم تكن في انتصار حاسم، بل في غياب الحسم نفسه.
بحسب تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) الصادر في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2025، نجحت "إسرائيل" في إضعاف قدرات الحزب، لكنها لم تتمكن من القضاء عليه أو إنهاء دوره. هذا التناقض بين حجم الضربات واستمرار الفاعلية شكّل محورًا أساسيًا في التحليل الغربي. وقد تعزز ذلك مع ما أشار إليه تقرير Washington Institute في شهر آذار/ مارس 2026، حيث أكد أنّ الحزب بدأ إعادة بناء بنيته العسكرية فور وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، واستعاد قدراته بسرعة غير متوقعة.
كما لفتت التحليلات العسكرية الغربية إلى اختلاف نمط القتال، إذ لم تكن المواجهة تقليدية، بل اعتمدت على التكيّف المستمر والانتشار اللامركزي وتجنب المعارك الحاسمة. وقد انعكس ذلك في توصيف صحيفة The Guardian في 18 آب/ أغسطس 2024، التي اعتبرت أنّ ما يجري هو "حرب منخفضة الوتيرة لكنها مستمرة"، قائمة على الاستنزاف التدريجي.
وفي هذا الإطار، برزت العمليات النوعية كعنصر محوري، ومن أبرزها عملية تفجير أجهزة الاتصالات في 18أيلول/ سبتمبر 2024، التي وصفتها The Guardian بأنها عملية استخباراتية دقيقة استهدفت البنية التنظيمية. يعكس هذا التحول انتقال الحرب من التركيز على القوة النارية إلى استهداف البنية الداخلية والقيادية.
إلى جانب البعد العسكري، أكدت تقارير معهد دراسة الحرب (ISW) بتاريخ 18شباط/ فبراير2026 أنّ المواجهة حملت أبعادًا سياسية داخل لبنان، حيث استُخدم النفوذ السياسي لمنع نزع السلاح الكامل، ما جعل الصراع جزءًا من توازن داخلي وإقليمي. ومن هنا، بدأت الصحافة الغربية تنظر إلى الحرب ضمن إطار أوسع يشمل إيران وأميركا.
في المقابل، لم تغب حدود القوة "الإسرائيلية" عن التحليل. فقد أشارت The Guardian في 25 آذار/ مارس 2026 إلى أنّ العمليات العسكرية الواسعة أدت إلى دمار وتهجير كبيرين دون تحقيق حسم. كما حذّر مركز Chatham House في شهر آذار/ مارس 2026 من أنّ أي احتلال طويل للجنوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية عبر تعزيز موقع الحزب داخليًا.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن تفسير "المفاجأة" الغربية بثلاثة أخطاء تقدير رئيسية: المبالغة في فعالية القوة الجوية، سوء فهم طبيعة التنظيم بوصفه جيشًا تقليديًا، والتقليل من أهمية العامل الإقليمي. وقد أظهرت الحرب أنّ البنية اللامركزية والارتباط الإقليمي يشكّلان عنصرين حاسمين في الصمود.
في الخلاصة، تعكس قراءة الصحافة الأميركية والبريطانية لحرب الجنوب اللبناني بين 2024 و2026 نموذجًا لحروب العصر الحديث، حيث يترافق الدمار الكبير مع غياب الحسم. فقد حققت "إسرائيل" تفوقًا عسكريًا واضحًا دون إنهاء خصمها، فيما خسر الحزب جزءًا من قدراته لكنه حافظ على القدرة على التكيّف والاستمرار. وبذلك، تحوّلت المفاجأة إلى درس استراتيجي مفاده أنّ التفوق العسكري لم يعد كافيًا وحده لحسم الصراعات.
تحوّل نمط القتال: من المواجهة التقليدية إلى المنظومة الانسيابية
لم يعد أسلوب القتال محصورًا بنمط تقليدي، بل أصبح أقرب إلى منظومة متكاملة تتحرك بانسيابية ضمن إطار تنسيقي أوسع. وقد برز ذلك من خلال إدارة العمليات عبر غرف مشتركة، حيث يجري توزيع الأدوار وتبادل المعلومات بشكل مستمر، ما يمنح المعركة طابعًا مرنًا ومتعدد الجبهات.
هذا الأسلوب يقوم على توزيع الضغط بدل تركيزه، بحيث تتحول المواجهة إلى حالة استنزاف ممتد، تتعدد فيها مصادر التهديد، ويعتمد على مزيج من حرب العصابات، التي تتيح الحركة السريعة والضربات المحدودة، مع استخدام وسائل متطورة مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، ما يخلق نمطًا قتاليًا يصعب التنبؤ به.
كما ساهمت الخبرة المكتسبة من ساحات مختلفة في تطوير هذا الأداء، سواء على مستوى القيادة أو اللوجستيات أو التنسيق، ما يعزز فكرة العمل ضمن منظومة مترابطة. ويتكامل ذلك مع البعد الإعلامي والنفسي، حيث تُستخدم إدارة الخطاب والصورة كجزء من المعركة لتعزيز الردع والتأثير على معنويات الخصم.
القراءة "الإسرائيلية": من تقدير ناقص إلى قلق متصاعد
تعكس التحليلات في الإعلام "الإسرائيلي" تحولًا واضحًا في توصيف المشهد الميداني، حيث لم يعد يُنظر إلى الخصم كقوة متراجعة، بل كطرف أكثر تنظيمًا واستعدادًا مما كان متوقعًا. وتُظهر هذه القراءة أنّ إعادة البناء جرت بعيدًا عن التقدير الاستخباراتي، ما أدى إلى فجوة بين التوقعات والواقع.
في الميدان، تشير الروايات إلى نمط قتالي يجمع بين مرونة حرب العصابات والانضباط العسكري، حيث تُدار الكمائن كعمليات مركّبة تُنفذ بتنسيق دقيق. كما يبرز عنصر الاستطلاع كعامل حاسم، مع الحديث عن قدرات رصد متقدمة تتيح تحديد توقيت الضربات بدقة عالية.
وتظهر الخسائر، وصعوبة الإخلاء، وتعقيدات الحركة، أنّ المواجهة تحولت إلى حرب استنزاف طويلة، حيث يصبح التقدم عبئًا مستمرًا. أما البعد الاستخباراتي، فيكشف عما يوصف بــ"العمى الاستخباراتي"، حيث فُسّر الهدوء السابق كعلامة ضعف، ليتبيّن لاحقًا أنه مرحلة إعادة تنظيم.
من جديد يثبت حزب الله أنه قادر على تحويل الوقت والهدوء إلى عناصر قوة، وبذلك لم تعد المواجهة مع قوة تقليدية يمكن احتواؤها بسهولة، بل مع بنية قتالية ديناميكية تعيد تشكيل نفسها باستمرار. والمفاجآت قادمة بإذن الله تعالى.