نقاط على الحروف
إعلامي وباحث في الشأن السياسي
يواجه لبنان اليوم انعطافة حادّة تتجاوز حدود المواجهات البطولية المشتعلة على خط الجبهة اللبنانية – الفلسطينية لتطال جوهر هويته الدفاعية وبنيته الميثاقية، فبعد أن أسقطت الحكومة ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" وجرّمت المقاومة وفعلها في تحرير الأرض من الاحتلال، وحظرتها بذريعة "حصرية السلاح"، انتقلت إلى انتهاج مسار تدويل لبنان بكيانه ومؤسساته وملفاته وقضاياه الوطنية، خصوصاً بعدما أرسلت وزارة الخارجية اللبنانية كتاباً إلى بعثة لبنان في الأمم المتحدة لتسليمه إلى الأمانة العامة ومجلس الأمن تحمّل فيه حـزب الله مسؤولية تصعيد الحرب على لبنان (وليس "إسرائيل") وتبلّغهما قرارات الحكومة تصنيف المقاومة "منظمة خارجة عن القانون"، والأهمّ أن الرسالة طلبت "مساعدة المجتمع الدولي لإرساء السلم والامن في المنطقة"، ما يعني طلب الوصاية الدولية على لبنان.
لا تعدّ هذه الخطوة استثناءً أو تطوّراً غير متوقّع في سياق المسار الصدامي الذي تنتهجه الحكومة بحق المقاومة وبيئتها، ولكن القضية الطارئة في هذا المسار هو الاندفاعة المتهوّرة وغير المفهومة في وضع لبنان أمام مفترق طرق وجودي، وترسم الكثير من علامات الاستفهام حول مقولات "استعادة القرار المركزي" وتعارضها مع الخطوات المتسرّعة التي تضع لبنان أمام مخاطر الانزلاق تحت وصاية دولية لا تخدم سوى مشاريع الهيمنة الإسرائيلية والمصالح الأميركية، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل التدويل هو طوق نجاة للسيادة، أم هو شرعنة للانكشاف الأمني وضياع الحقوق الوطنية في لحظة اشتباك مصيرية؟ وكيف توازن الدولة اللبنانية بين ادّعاء "شرعية المؤسسات" وبين الاستسلام لـ "واقعية القوة" في ظل الجموح الأميركي – الصهيوني لابتلاع المنطقة وفق ما تروّجه أبواق السفارات!؟
إن خطيئة الحكومة في الانتقال من معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" إلى صيغة "حظر سلاح المقاومة" وتجريمها ليست إجراءً رسمياً سيادياً، بل هي محاولة لإعادة هيكلة كاملة للدولة اللبنانية من الناحيتين العقائدية الوطنية والجيوسياسية، وستترك تداعياتها الوجودية على لبنان الدولة والمؤسسات، وتضرب هويته في الصميم لتجعله كياناً تابعاً يفتقد أدنى مقومّات السيادة والاستقلال. ويأتي المسعى الجديد في جعل لبنان تحت الوصاية الدولية في سياق مخطط مرسوم، ولفهم الصورة أكثر يمكننا تفكيك خلفيات هذه القرارات وتداعياتها، كالتالي:
1. الانقلاب على العقيدة الوطنية من خلال إزالة "المعادلة الثلاثية"، وهذا يعني رسمياً فك الارتباط بين الدولة اللبنانية وبين أي نشاط عسكري غير خاضع للقرار الرسمي المركزي.
2. نزع الشرعية الوطنية من خلال توصيف السلاح بأنه "خارج على القانون"، وبذلك تسقط الحكومة الغطاء الميثاقي الذي كان يعترف بالمقاومة كحركة تحرّر وطني، وتتحوّل في التوصيف القانوني إلى "ميليشيا متمرّدة" أو "مجموعات مسلّحة غير شرعية".
3. الاستجابة لضغوط "اليوم التالي"، وهذا التحرّك يوحي بوجود تفاهمات خلف الكواليس تهدف إلى تهيئة لبنان لمرحلة ما بعد الحرب، بحيث لا يكون هناك دور سياسي أو عسكري لأي فصيل مسلح، استجابةً للإملاءات الأميركية والإسرائيلية الملحّة.
إن هذا النوع من القرارات في بلد منقسم مثل لبنان لن يؤدي إلى "السلام" الذي تنشده الحكومة من خلال مفاوضات مع العدو المحتل تحت النار، بل قد تقود إلى صدام داخلي حاد نظراً لتعارض منطقي المقاومة والاستسلام، فضلاً عن أن القرار الحكومي يناقض الشرعية الشعبية والميدانية التي تمنح المقاومة الحق في مواجهة المحتل المعتدي، ولا بدّ في هذا السياق من التنبّه إلى مساعي مدّعي السيادة إلى إقحام الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع المقاومة وبيئتها، وكأن المطلوب من قبل هؤلاء دق إسفين في جسد المؤسسة الوحيدة الجامعة للبنانيين. على أن التهديد الأخطر الذي سيواجه لبنان هو تكريس الفراغ الأمني في مواجهة "إسرائيل"، فإن حظر سلاح المقاومة دون وجود بديل دفاعي قادر على استعادة الأرض المحتلة وتحرير الأسرى وردع الاحتلال سوف يضع لبنان أمام انكشاف كامل ويجعل الداخل اللبناني ساحة مفتوحة أمام عمليات التخريب الخارجي وانعدام الاستقرار والأمن.
إن توجيه الرسائل إلى نيويورك لطلب المساعدة الدولية (الوصاية) يعني عملياً تسليم مفاتيح القرار اللبناني للإدارة الأمريكية، والإقرار بالارتهان السياسي، فتصبح الدولة اللبنانية مدينة للمجتمع الدولي -أي واشنطن- ببقائها، ما يعني أن أي قرار سيادي مستقبلي يتّصل بثروات لبنان من نفط وغاز وترسيم حدود، وإقامة علاقات إقليمية وغير ذلك، سيكون خاضعاً لموافقة المراقب الدولي، أي الأميركي. ولا يخفى أن التدويل سيقود حتماً إلى إعادة صياغة النظام اللبناني بما يمهّد لإجراء تعديلات دستورية وتشريعات قانونية جديدة تضمن إقصاء المكوّنات السياسية المرتبطة بالمقاومة، وتضمن بقاء النظام اللبناني يدور بالكامل في الفلك الغربي. أما على المقلب "الإسرائيلي" فإن حظر السلاح والتدويل يقدّم لبنان لقمة سائغة أمام العدو الصهيوني، حيث سيجد أمامه دولة "منزوعة الأنياب والمخالب"، ما يمنحه حرية الانتهاك الجوي والبري والبحري دون حسيب أو رقيب في غياب أي رد فعل موازٍ ورادع، فكيف لو كبّل لبنان باتفاق إذعان لا يملك فيه القدرة أو الحق في القرار أو حتى الاعتراض وتسجيل المواقف، ويجد نفسه مجبراً على التنازل عن حقوقه السيادية في مزارع شبعا وكفرشوبا وفي ثرواته الوطنية!؟
إن المسار الدبلوماسي والقانوني الذي ينادي به مدّعو السيادة يهدف إلى تدويل الأزمة اللبنانية بامتياز، ولا يقود في أي حال من الأحوال إلى استعادة الدولة لقرارها، بل هو تفكيك لمقوّمات الدفاع الوطني وتحويل لبنان من بلد مقاوم إلى "كيان تحت الوصاية" لا حول له ولا قوة، فتصبح السيادة اللبنانية مجرد واجهة لترتيبات أمنية تخدم الاستقرار الإقليمي وفق الأجندة الأميركية - "الإسرائيلية"، وليس وفق القرار الوطني اللبناني. كما أن هذا المسار في ظل عدوان "إسرائيلي" مفتوح ومشاريع توسعية معلنة يمثّل مقامرة وجودية تتجاوز مفهوم الخلاف السياسي لتصل إلى تهديد كيان الدولة وجغرافيتها، ويمنح العدو بقرار دولي ما عجز عنه بعدوان عسكري، ويشرّع أهداف الاحتلال بإرساء "ترتيبات أمنية" وإنشاء مناطق عازلة واقتطاع أراضٍ لبنانية، وهو ما يتيح لـ"إسرائيل" تحقيق أهدافها التاريخية على حساب السيادة اللبنانية، وما المانع في أن تتحوّل هذه "المناطق العازلة" إلى احتلال مقنّع أو مقدّمة لقضم تدريجي للأراضي بما يخدم مشروع التوسّع الصهيوني!؟
إن طلب الحكومة اللبنانية التفاوض مع الاحتلال تحت النار ومن ثم توسّلها التدخّل الدولي لمواجهة مكوّن داخلي حمى لبنان وحرّر أراضيه وحقق له السيادة والاستقلال لأكثر من أربعة عقود من الزمن يحوّل البلد إلى ساحة وصاية أميركية - "إسرائيلية كاملة"، وستكون واشنطن حتماً "مايسترو" هذا التدويل بحيث تفرض قراراتها الكبيرة والصغيرة من تعيين المسؤولين على اختلاف مواقعهم ورسم السياسات الداخلية والخارجية وتقرير المشاريع المالية والاقتصادية، ومن الطبيعي أن يحتلّ أمن "إسرائيل" موقع الأولوية القصوى ما يجعل مصالح لبنان وثرواته ومقدّراته في خدمة المشروع "الإسرائيلي"، ولا يبعد أن يكون لبنان في هذه الحالة وطناً بديلاً للاجئين الفلسطينيين والسوريين لتحقيق هدف التوسّع الديمغرافي "الإسرائيلي"، وبالتالي يفقد هويته السياسية والاجتماعية لتصبح أكثر تماشياً مع "النظام الإبراهيمي"، ويتحوّل من دولة سيادية مستقلّة إلى مجرد "شرطي برتبة دولية" يحمي "إسرائيل" ومستوطنيها.
هذا ما يريده مدّعو السيادة في لبنان، أما المقاومة فهي كانت وما زالت وستبقى الدرع الحامي للوطن.