اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي وحدة الساحات بالنار: من وهم التفكك إلى فرض الشروط

نقاط على الحروف

نقاط على الحروف

"نداء الوطن" وMTV: بين تغطية الحدث وصناعة السيناريوهات

201

كاتبة من لبنان


منذ سنوات، اعتادت المؤسسات الإعلامية الفتنوية على الاستثمار في كلّ حدث في لبنان، حتى صارت ذات خبرة وشهرة في فنّ التحريض وسرعة اختلاق السيناريوهات التي تخدم سياقات استهداف المقاومة وكلّ ما يرتبط بها. ولعلّ من أبرز ميّزات هذا الإعلام، هو مقدرته على تقديم رواية كاملة متكاملة عن الحدث، حتى قبل انتهائه، وبالطبع قبل شروع أيّ مؤسّسة أمنية بالتحقيقات حوله، وتجميع المعطيات والظروف التي ينبغي الاطلاع عليها قبل تقديم الرواية والترويج لها إذا لزم الأمر. 

مخيّلة "الإعلام" تحلّ محلّ مهنيّته، وبالطبع يتخذ التحريض أولوية على كلّ أخلاق المهنة، وحتى أخلاق الإنسان. وإن كان الفاعل مجهولًا في كثير من الأحداث التي جرى الاستثمار فيها للتحريض على المقاومة وإشعال الفتنة بين اللبنانيين، بذريعة بدعة "الاتهام السياسي"، فالعدوان ليس مجهول الفاعل، وكلّ محاولات "تذنيب" المقاومة وأهلها وتحميلها مسؤولية ما يقترفه العدوّ الصهيونيّ من جرائم حرب ضد المدنيين والأحياء السكنية، تُسقط مرتكبها لا عن صهوة مهنيّته فقط، بل عن مصداقيّته كإنسان بالدرجة الأولى.

مساء أمس، في إطار التغطية الإعلامية لحدث قصف مجمّع سكنيّ في منطقة تلال عين سعادة، تنافست المؤسسات الإعلامية الفتنوية على المركز الأوّل في صناعة السيناريو الأكثر تحريضًا على المقاومة وعلى النازحين، حتى قبل أن ينتهي المسعفون من انتشال جثامين الضحايا وإغاثة الجرحى، وقبل أن يعي سكان الحيّ ما حدث أصلًا.

وفي إطار هذا التنافس ذي الطبيعة التكاملية، عمدت MTV على سبيل المثال منذ اللحظة الأولى للقصف إلى الترويج لرواية "استهداف قياديّ في حزب الله أو في الحرس الثوريّ"، رغم تأكيدات رئيس بلدية عين سعادة، ومالك الشقّة المستهدفة في البناء، والجيران، وكلّ المارّة في المكان أنّ الشقّة شاغرة، وأن لا وجود لأي سكّان جدد في المبنى كلّه. ورغم مطالبة رئيس البلدية نفسه بانتظار التحقيقات قبل الخوض في أيّ تفاصيل غير معروفة، أصرّ مراسل القناة المدرّب جيدًا على التنصّل من كلّ سمات المهنيّة، على صناعة رواية الاستهداف، مؤكدًا أنّه من غير المعقول أن يكون "الجيش الإسرائيلي"، على حدّ تعبيره، قد استهدف شقّة فارغة! ثقته بالعدوّ مدهشة، في الوقت الذي يجب أن تملي عليه أخلاق المهنة والأخلاق الوطنية أن ينقل حقيقة لا لبس حولها: العدوّ "الإسرائيلي" يعتبر جميع اللبنانيين عدوًا له، ولا يفرّق بينهم أبدًا، وإن بدا وكأنّه يحيّد من لا يعادونه، فليس إلّا لتأجيج فتنة تخدم مشروعه. وفي إطار التغطية نفسها، روّجت القناة لقصّة تقول إنّ رجلًا يرتدي ثيابًا سوداء -الصورة النمطية بأبهى حلّة- مرّ بعد القصف مباشرة على دراجة نارية ولم يمتثل لصراخ الموجودين له بالتوقّف، ليتبيّن فيما بعد، كما تداولت بعض المواقع الإخبارية، أنّه عامل توصيل صادف مروره في المكان، وقد أصابه الذعر بسبب القصف!

بالمختصر، عمدت MTV إلى تحويل تغطيتها المباشرة من متابعة أضرار عدوان "إسرائيلي" على منطقة سكنية إلى منبر تحريض على المقاومة وعلى النازحين، وفتحت استديوهاتها لأصوات تطالب جهارًا بطرد النازحين ومنع تأجيرهم، والتدقيق في هوياتهم، ومحاصرتهم داخل مراكز الإيواء بعيدًا عن السكان، وكأنّهم قنابل موقوتة!

وكما MTV، كذلك كلّ من صحيفتي "نداء الوطن" و"النهار": تغطية صحفية لا تحاول حتى ادّعاء المهنية بأدنى مستوياتها. بدون أي معطيات مستمدة من أيّ مصدر أمنيّ، ورغم التأكد من شغور الشقّة المستهدفة ومن الجهة المعتدية، أي "إسرائيل"، أصرّت الصحيفتان على الترويج لسيناريو "استهداف القياديّ"، رغم ركاكته وانعدام فرصته بأن يكون منطقيًا. واللافت في الأمر أنّ الروايات الوهمية الصادرة عن الصحيفتين شكّلت أساس السرديات الخادمة للتحريض على المقاومة وعلى النازحين طوال الليل، وكأنّها وقائع ثابتة، رغم تنصّل راوي الفرضيات، أي الصحيفتين المذكورتين، عبر القول إنّه ينتظر التحقيقات! ما الداعي لانتظار التحقيق في حدث جرت قولبته، والاستثمار فيه، والترويج لسيناريو وهمي حوله؟! ما الفائدة من ادّعاء انتظار المعطيات المثبتة، إن كان من يدّعي الانتظار يملأ الفراغ من مخيّلته بهدف الترويج لكذبة تحريضية فتنوية؟! وأين مهنة الصحافة من صناعة الأضاليل، إذ بدا أنّ بعض الصحافيين قد التبست عليهم طبيعة المهنة، فعملوا ككتّاب سيناريوهات وهمية بدلًا من ناقلي حقائق! ولتثبيت الجرم في محاولة ترقيعه، عادت في وقت متأخر "نداء الوطن" عن رواية "استهداف فلان الفلاني"، بنشرها تكذيبًا للخبر، وبزعم نسبته إليها دون علمها.

أين العدوّ "الإسرائيلي" من هذه التغطية المسمّاة إعلامية؟ للأسف لم يرد له ذكر كمرتكب في كلّ المشهد! على العكس، فقد هيّأت هذه التغطية جوًا يبيح له ما تحرّمه القوانين الدولية وكلّ الشرعات: استهداف المدنيين في كلّ مكان، وقصف الأحياء السكنية في كلّ المناطق، عبر الترويج لذرائع مختلقة من صنع خيال إعلامي خصب، اعتاد الفتنة، وامتهن التضليل، وصار في صناعة التحريض خبيرًا.

بلغة الإعلام، ليل أمس، ارتكب العدوّ الصهيوني جريمة حرب في عين سعادة، ذهب ضحيّتها، بحسب وزارة الصحة، ثلاث ضحايا، من بينهم سيدتان، بالإضافة إلى عدد من الجرحى. روّع العدوّ بالقصف السكّان الآمنين، وأرهب المنطقة بأكملها، وسبّب مواجع كثيرة. المشهد واضح، ولا يحتاج إلى أي سيناريوهات تُضاف إليه، وهو ككلّ مشهد عدوانيّ في هذه الحرب: فاعله غير خفيّ، وكذلك ضحاياه. ومن البديهيّ أن تكمن مسؤولية الإعلام في تظهير بشاعته ومقدار الأذيّة فيه، في سبيل وقفه ومنعه، وتحويله إلى صرخة في وجه العدوّ، العدوّ فقط، وليس في وجه المقاومة، ولا في وجه النازحين.

بلغة الأخلاق الوطنية والإنسانية، سقط ليل أمس في عين سعادة ثلاث ضحايا مدنيين إثر اعتداء "إسرائيلي"، وجُرح آخرون. لأهل الضحايا التعازي، وللجرحى التمني بالشفاء العاجل، ولإعلام الفتنة دعوة إلى التحلّي ببعض المهنية، عسى أن نتعلّم من المشهد أنّ العدوّ لا يفرّق بين منطقة وأخرى، وبين "لبناني" وآخر، وأنّنا جميعًا مستهدفون.

 
الكلمات المفتاحية
مشاركة