اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي وزارة الطاقة في «عطلة»: لا خفض لأسعار المحروقات

مقالات مختارة

لا تُحصوا الشهداء بل احفظوا أسماءهم
مقالات مختارة

لا تُحصوا الشهداء بل احفظوا أسماءهم

68


زينب بزي-صحيفة الأخبار

303 شهداء تقول وزارة الصحة هي حصيلة مجازر يوم الأربعاء التي ارتكبتها إسرائيل في العاصمة بيروت. 303 وجوه، حكايات، أحلام وأكثر، جميعها أطفأتها الوحشية الإسرائيلية ظهر الأربعاء، زاعمة استهداف سلاح المقاومة. سلاح المقاومة الذي استهدفته كان عبارة عن أطفال، تلاميذ، أطباء، مسنين، شبان، أمهات وأحبة لأناس لم يفهموا كيف تغيرت حياتهم بلحظة واحدة. لحظة كانت كفيلة بفتح جراح لن تشفى إلا بزوال الكيان. ذلك وحده يشفي ويثلج قلوب الفاقدين، لا شيء غير ذلك. لا الحداد، ولا دقيقة الصمت الكاذبة تلك ولا التباكي فوق جثثهم.

منذ يوم الأمس، بدأ الأحبة ينعون أحبتهم. عائلات بأكملها مسحت عن سجلات القيد ومن نجا تمنى لو لم ينج. منذ الأمس ولا نفكر سوى بهم. نبحث في وجوههم، نبحث عن أسمائهم، عن صورهم، عن ضحكاتهم، عن عائلاتهم الحزينة. نبحث كي لا يصبحوا أرقاماً لا تظهر سوى في تعداد الشهداء اليومي. نبحث عن حكاياتهم وما أكثرها.

هؤلاء، قبل كل شيء، ليسوا أرقاماً. ليسوا مجرد تعداد يومي، ولا خانة في بيان، ولا رقماً يضاف إلى لائحة طويلة. هؤلاء وجوه نعرفها، أسماء نحفظها وحكايات لا يجوز أن تختصر.

كيف لعمر واحد وقلب واحد وحياة واحدة أن تحتمل كل ذلك الأسى، كل ذلك الحزن، كل الجثث والحقد والغضب المتراكم فينا.

بمن نبدأ؟ بالملاكين الصغيرين هادي وأحمد حريري ووالدتهما زينب، الذين ما لبثوا أن تحولوا من مفقودين إلى شهداء. بعيونهم الجميلة التي كانت مفتوحة على كل جمال الدنيا. أم بوالدهم علي الذي نعاهم ناشراً صورة العائلة التي أصبحت ذكرى، كاتباً: «من هذه الصورة لم يبق إلا أنا وابني حسين الذي بجانبي».

بمن نبدأ؟ بالدكتور نديم شمس الدين وزوجته الدكتورة أسرار وأطفالهما وأقربائهما. أم برثاء القاضي عرفات شمس الدين لهم الذي لم يعرف من ينعى منهم، «شقيقي د. نديم وزوجته د. أسرار وأطفالهما الثلاثة، خالتي المؤمنة، زوجة أخي الثانية وطفلتها ابنة الثلاث سنوات، محمد ابن اختي الفتى الطاهر، ربيتهم بدموع عيني واليوم غادروني وبقيت أنا لوحشة الحياة وظلمة الأيام». كيف لقلب أن يحتمل كل ذلك الفقد. كيف لأحد أن يكتب كلمة واحدة مبرراً قتل هؤلاء.

بمن نبدأ؟ بالشهيدة رنا شيّا حسيكي ملاعب. رنا التي تبتسم في كل صورها. رنا التي كانت تقوم بتأمين أدوية ومساعدات للنازحين في المبنى الذي قصفته آلة الإجرام في كيفون. رنا تلك التي كانت جبهة من جبهات الإنسانية. رنا التي نعتها صديقتها قائلة: «يا رنا يا مربية أولادك على حب الأرض وعالمقاومة، مش غريب عن بيتكن يا حبيبتي، ضيعانك». هكذا إذاً، هذه رنا، إبنة الأرض والبلاد التي تشبهها هي لا غيرها.

هؤلاء ليسوا أرقاماً، هؤلاء وجوه نعرفها، أسماء نحفظها وحكايات لا يجوز أن تختصر

بمن نبدأ؟ بالشهيدة فاطمة أمهز شقيقة الأسير عماد أمهز. هنا المجرم نفسه في القصتين. من سينتظر عماد يا فاطمة؟ من سيفرح به يوم العودة؟ هل فكرت بذلك قبل أن تغمضي عينيك للمرة الأخيرة. فاطمة التي ارتقت أثناء عملها في صيدلية في بلدة كيفون، انتظرت شقيقها لعام ونصف، بينما كانت الدولة تتفرج على ساعات انتظارهم الطويلة. رحلت فاطمة وبقي عماد أسيراً، على يد العدو، وبقيت الدولة تتبجح بعبارات الدبلوماسية. أي دبلوماسية تأسر وتقتل وتسلب من إخوتنا أعمارهم وأحلاهم وكل ما تبقى من آمالهم.

بمن نبدأ؟ بكلمات الشهيدة الشاعرة خاتون سلمى كرشت التي كتبت يوماً: «لم يكن الجرح ما آلمني / بل الدماء التي تشبهه». سلمى التي رافقت شريك عمرها محمد كرشت وحلقا سوياً من تلة الخياط إلى العلياء، إلى مكان لا يموت فيه المئات ويشرّع دمهم تحت مسمى «الاستهداف». رحلت سلمى وبقيت القصيدة، شاهدة على جرح ودم، لن تنصفه الكلمات يوماً.

بمن نبدأ؟ بالتلميذ الشهيد أمين فنيش المتفوق. بأناقته وبسمته و«شطارته». ماذا عن مرتبة الشهادة هذه؟ هل توقعت أن تحصدها سريعاً.

بمن نبدأ؟ بعائلة ناصر الدين من الهرمل، التي التقطت صورة عائلية جميلة ولم تكن تعلم يوماً أنّها ستصبح صورة لخبر نعيهم. 7 أشخاص، عائلة واحدة، وغارة واحدة كانت كفيلة بقتلها. أي هدف ذلك؟ حقد ذلك.

بمن نبدأ؟ بالشقيتين الشهيدتين رحمة وريان شعيب ابنتا بلدة كفرصير. أم بوالدهما الذي جلس ينتظرهما ريثما ينتهيان من الصلاة أمام مجمع الزهراء (ع) في صيدا. لا زالتا تصليان يا والدنا، إلا أنّ تلك الصلاة لن تنتهي أبداً. لن يخرجا يا أبتي من هناك، سيطول الانتظار والحنين. احتفظ بجواز سفر رحمة ذلك الذي وجدته بين الأنقاض، لقد سافرت رحمة، خارج حدود الوطن، خارج حدود البلاد، حلقت عالياً دون جواز سفر. هل رأيت أحداً يسافر دون جواز سفر؟ رحمة فعلت، هؤلاء إخوتنا الذين يحققون المستحيل.

بمن نبدأ؟ بياسمينة الهرمل ووالدها حسين علّام ووالدتها فاطمة. بالوجه البريء الذي سقط عليه دمار المبنى في الأجنحة الخمسة، بينما كان يحلم بغد أحلى. بوالدها الذي يشبه الهرمل، بوشاحه ويده وسيجارته، يشبه البقاع الذي نحب. بوالدتها الطيبة التي تشبه أمهاتنا.

بمن نبدأ؟ بالشهيدة علا العطار، زوجة «الحلو والمنيح واللي عيونه عسلية» الشهيد حمد العطار الذي ارتقى بانفجار المرفأ. من بقي لوردتيهما الصغيرتين؟ كيف يمكن لطفل أن يعيش دون أم وأب، وبأي ذنب؟

بمن نبدأ؟ بالشهيدة ملاك زكريا، التي نعاها شقيقها ملخصاً الحكاية: «إسرائيل من شهر قتلت خيي واليوم اختي. كمية الحقد لجواتنا حنورثها وعد كرمال ولا لحظة يكون في شي اسمه سلام مع هيك كيان».

نبدأ بهم جميعهم، ولن ننتهي ولو بقينا طيلة حياتنا نكتب عنهم. ماذا سنكتب، قصصهم أم إنجازاتهم أم أحلامهم؟ نكتب كيف يحبون ويضحكون ويعيشون؟ نكتب كيف تمسكوا بهذه البلاد رغم خرابها؟ نكتب كيف ظنوا أنّهم آمنين في «أماكنهم» بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق رؤوسهم بآلاف المتفجرات منتظرة أمر بدء المجزرة.

كّلهم أهلنا، كلّهم إخوتنا، كلهم أولادنا، كلهم آباؤنا، كلّهم جرحنا الذي سيتحوّل غضباً على الراقصين فوقه، على المفاوضين عليه، على الذين يظنون أنّهم بقتلنا نترك البلاد وأهلها.

هذه الأسماء ليست للذكرى، هذه الأسماء شهود. شهود على الجريمة، على الدم، على الحقيقة التي لا تُطمس. لن نعدّهم، لن نسمح بأن يُختصروا برقم، سنسمّيهم واحداً واحداً لأنهم حياة كاملة سُرقت. سنحفظ أسماءهم كما نحفظ جرحنا، وسنتمسّك بسببهم بالمقاومة أكثر من أي وقت مضى.

الكلمات المفتاحية
مشاركة