اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي السلطة لا تمثلنا ولبنان لن يكون "إسرائيليًا"

نقاط على الحروف

جدلية الدولة والمقاومة: صراع الهوية والسيادة في ذكرى الحرب
نقاط على الحروف

جدلية الدولة والمقاومة: صراع الهوية والسيادة في ذكرى الحرب

178

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

تُشكّل ذكرى اندلاع الحرب الأهلية في لبنان (١٣ نيسان) محطة سنوية لتجديد السجال حول جوهر الكيان اللبناني. ويشتد هذا السجال في ظل التحوّلات الراهنة التي تفرضها الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" على إيران ولبنان وما يمكن أن تسفر نتائجها على مستقبل البلد والمنطقة بشكل عام. وهذا السجال ليس مجرد استذكار لآلام الماضي بقدر ما هو "مانيفستو" سياسي يحاول إعادة تعريف مفاهيم السيادة، والردع، والشرعية. 

إن الجدلية القائمة اليوم تتجاوز الخلاف التقني، لتطرح سؤالًا وجوديًا: هل الدولة هي التي تصنع القوة، أم أن القوة هي التي تفرض وجود الدولة؟ لا بد أولًا من ملامسة الذاكرة الجماعية التي ترى في الدولة (كمصطلح قانوني وتنظيمي وإداري) ملاذًا من الفوضى و"قانون الغابة"، وعلى هذا الأساس تنطلق الرؤية التي تنادي بأولوية "الدولة" من استحضار شبح العام ١٩٧٥، حيث يُستخدم تاريخ ١٣ نيسان كأداة تحذيرية لتنبيه اللبنانيين من أن غياب "مركزية القرار" يعني العودة الحتمية إلى زمن الميليشيات والاقتتال الداخلي. في هذا السياق، يُراد للدولة أن تكون هي الحل الوحيد للخروج من نفق الحروب العدوانية، وهذا السياق طبيعي ومنطقي ولكن المشكلة فيه تكمن في تقنينه عبر تسويق منطق "الواقعية السياسية".

هذه الواقعية تفترض أن قدرة الدول الصغيرة على التأثير في الصراعات الكبرى محدودة بمواردها وحجمها الديموغرافي، ومن هنا يبرز خطاب يرى أن "تحميل الوطن" قضايا إقليمية كبرى، مهما بلغت عدالتها (مثل القضية الفلسطينية)، قد يؤدي إلى تصدع البنيان الوطني. 

إن هذا المنطق يحاول خلق "وحدة حال" شعبيّة من خلال ربط مآسي البلد (الانهيارات والانفجارات) بالمواجهات الدائرة عند الحدود ضد الاحتلال، سعيًا لتأسيس شرعية مدنية ترفض "عسكرة المجتمع" وتدعو إلى حصر السلاح والقرار بيد المؤسسات الرسمية حصرًا، وهذا بحد ذاته يستدرج أزمة ثقة كبيرة ويطرح استعداد الدولة وإمكاناتها في توظيف السلاح لحماية البلد وأبنائه.

السيادة بين التنظير الورقي والفعل الميداني

في المقابل، تبرز رؤية "خيار المقاومة" التي لا ترى في الدولة كيانًا معزولًا عن محيطه الجغرافي والسياسي. فلبنان ليس جزيرة معزولة، بل هو في قلب صراع تاريخي مع عدو لا يعترف بحدود أو مواثيق دولية.

وتقضي هذه الرؤية بأن "السيادة" التي تفتقر إلى أنياب ومخالب تحميها هي مجرد سيادة ورقية أثبتت التجربة التاريخية (منذ نكبة ١٩٤٨ وصولًا إلى اجتياح ١٩٨٢) فشلها في استرجاع حق سليب أو تحرير شبر واحد من الأرض. هنا، يتحول مفهوم "تحميل لبنان أكثر مما يحتمل" من خيار سياسي إلى "قدر جيوستراتيجي" فرضه التاريخ والجغرافيا. فالمقاومة لا ترى في إسناد جبهات المواجهة ضد "إسرائيل" مغامرة، بل دفاعًا وقائيًا يمنع العدو من الاستفراد بالمناطق واحدة تلو الأخرى. 

إن فلسفة القوة هنا تقوم على مبدأ أن الردع هو الذي يصون السيادة، وأن الجلوس خلف الطاولات الدبلوماسية دون قوة ميدانية تسند المفاوض هو انتحار سياسي.

تحطيم مقولة "قوة لبنان في ضعفه"

سادت، وعلى مدى سنوات طويلة، مقولة إن "قوة لبنان في ضعفه" أو "في كونه ضحية"، وهي المقولة التي يرى دعاة بناء الدولة أنها الطريق لجلب التعاطف الدولي والحماية الخارجية. إلا أن القراءة الميدانية والتاريخية أثبتت عكس ذلك تمامًا، فقد كان الضعف دائمًا الثغرة التي نفذ منها الاحتلال واستباح السيادة لعقود طويلة.

ولئن واجه خيار المقاومة الانتقاد من زاوية "الارتباط بالمحاور الخارجية"، لكن الرد على هذا المنطق يستند إلى واقع مرير، فإن "الخارج" الذي يُطلب منه حماية الدولة هو نفسه الذي يحجب السلاح النوعي عن الجيش الوطني، وهو نفسه الذي يمد المعتدي بكل أدوات الدمار. بالتالي، يصبح الدعم الذي تتلقاه القوى الشعبية المقاوِمة لا يعدّ تبعية بل تحالفًا استراتيجيًا مكّن الوطن من تحرير أرضه وصياغة معادلة ردع منعت العدو من التفكير في نزهة عسكرية داخل الأراضي اللبنانية. 

إن القوة هنا تُفهم كامتياز وطني أفرزته الحاجة الوجودية للبقاء والصمود وتوفير مقوّمات المواجهة وإنجاز الانتصار والتحرير. 

الدولة بين الغياب القسري والمركزية المنشودة

يتمحور جوهر الخلاف حول تعدد مراكز القرار، فهناك اتجاه يرى أن هذا التعدد يضعف الدولة ويجعلها عاجزة عن التفاوض أو حماية مواطنيها، ولكن من وجهة نظر المقاومة وبيئتها، يُطرح السؤال الجوهري: أين كانت الدولة عندما كان الجنوب يُحتل ويُقصف ويعاني أبناؤه من غياب التنمية والأمن على مدى نصف قرن؟

إن تعدّد مراكز القرار لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل كان نتيجة طبيعية لفشل المركز في القيام بواجبه البديهي بالحماية والرعاية والاحتضان. وعندما يجد المواطن نفسه وحيدًا أمام آلة الحرب، فإنه يبحث عن القوة البديلة التي تحميه، ومن هنا تصبح المطالبة بالدولة العادلة والقوية موقفًا محقًا وطبيعيًا، فهم لا يقبلون بـ"دولة العجز" التي تسلم قرارها للإرادات الدولية مقابل وعود فارغة ثبت أنها مبنية على سراب. إن بناء الدولة لا يمر عبر نزع عناصر القوة الوطنية، بل عبر استيعاب هذه القوة في استراتيجية دفاعية وطنية شاملة.

التفاوض الدبلوماسي والميدان.. من يرسم الحدود؟

في ظل المواجهات البطولية التي يسطّرها مجاهدو المقاومة عند الحدود، تبرز محاولات لرسم ملامح المرحلة القادمة عبر مسارين:

أولًا: المسار الدبلوماسي الذي يدعو إلى حصر ملفات ترسيم الحدود والترتيبات الأمنية في القنوات الرسمية والقبول بالمبادرات الدولية فورًا لتجنب الدمار.

ثانيًا: المسار الميداني الذي يؤكد أن "لا تفاوض تحت النار". ويرى هذا المنطق أن أي تنازل أمني يُقدم في لحظة ضعف هو تنازل عن السيادة المستقبلية. فالميدان هو الذي يملي شروط التفاوض، والقوة العسكرية هي التي تجبر العدو على التراجع عن أطماعه البرية والبحرية. 

إن محاولة فصل المسار السياسي عن إنجازات الميدان تُعتبر، في عرف المقاومة، محاولة لتسليم الوطن "لقمة سائغة" لمشاريع التسوية التي تأتي دائمًا على حساب الضعفاء.

في موازاة كل ذلك بدأت تطل في الأفق دعوات لسد "ثغرات" اتفاق الطائف أو تطويره، وهي دعوات تثير الكثير من الريبة في هذا التوقيت بالذات. فهل الهدف هو الإصلاح فعلًا، أم الالتفاف على موازين القوى التي أفرزتها سنوات الصراع؟

يرى البعض في "اللامركزية" مخرجًا للأزمات الإدارية، بينما يراها آخرون مقدمة لـ"تقسيم" مستتر يضعف الدولة المركزية ويسمح باختراقها. 

إن أي دعوة لإعادة النظر في تشكيل النظام اللبناني في ظل اختلال التوازن الإقليمي قد تُفهم كشكل من أشكال الاستغلال السياسي لإضعاف شريحة أساسية من اللبنانيين، ما يؤدي إلى تعميق الفجوة وزيادة حدة التفرقة بدلًا من تحقيق الوحدة المنشودة.

الحقيقة تقول إن دماء الشهداء على طريق التحرير هي التي منحت الدولة ما تبقى لها من كرامة سيادية، والناس الذين فقدوا أرزاقهم وقراهم وحقول زيتونهم لا يطلبون من الدولة "خارطة طريق تنازلية"، بل يطلبون منها أن تكون السند الذي يحمي تضحياتهم، لا الجهة التي تفاوض عليها في المحافل الدولية ببرود دبلوماسي.

إن ما يعيشه لبنان اليوم هو مخاض عسير بين "لبنانين": لبنان الذي يرى في مؤسسات الدولة (بشكلها الراهن المنهك) ملاذًا نهائيًا كيفما كانت النتائج، ولبنان الذي يرى أن الدولة الحقيقية لا تبنى إلا على أساس السيادة المقتدرة التي تحميها البندقية الوطنية.

إن التحدي الحقيقي ليس في إلقاء الخطابات التي تلامس الوجدان، بل في القدرة على بناء "الدولة القوية والعادلة" التي لا تشعر أي شريحة فيها بالاغتراب أو العجز. كما أن الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لن تغير الواقع ما لم تقترن بتوافق داخلي يعترف بأن القوة الوطنية هي ركيزة السيادة، وأن الدولة هي المظلة التي يجب أن تستوعب هذه القوة لا أن تصادمها. 

في ذكرى ١٣ نيسان، يظل الدرس الأكبر في أن الأوطان التي تُبنى على الضعف تنهار عند أول عاصفة، أما الأوطان التي تُسيّج بوعي شعبها وقوة ردعها، فهي الوحيدة القادرة على حجز "مكان لها تحت الشمس".

الكلمات المفتاحية
مشاركة