نقاط على الحروف
محمد دعيبس
ليست بنت جبيل مجرد إحداثية على خارطة الجنوب، بل هي ميزان الحقيقة الذي يسقط عنده زيف الأسطورة. هناك، حيث انكسرت "القوة التي لا تُقهر" أمام إرادة الأرض، وُلدت المعادلة التي صاغت وعي الصراع: "أوهنُ من بيت العنكبوت". لم تكن تلك الكلمات التي أطلقها الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله عام 2000 مجرد بلاغة خطابية، بل كانت نبوءة استراتيجية وإعلانًا عن تحول عميق في بنية المواجهة.
من الرمزية إلى الواقع: ترسيخ المعادلة
في عام 2006، جاءت حرب تموز لتُحوّل التوصيف إلى واقع ملموس؛ فكلما حاول الاحتلال ترميم صورته المهتزة، كشفت أزقة بنت جبيل عن هشاشته البنيوية. واليوم، يتجدد المشهد بصورة أكثر حدة وعمقًا، حيث تتحول المدينة ومحيطها إلى ساحة لـ "حدث أمني" متواصل، تتحدث فيه صواريخ المقاومة الموجهة من داخل المباني، وتصطدم محاولات التقدم الإسرائيلية بجدار من الفشل الميداني.
ملعبُ الصمود.. حيثُ هُزمت الصورة
تتجسد عقدة العدو في "ملعب بنت جبيل"، تلك المساحة التي شهدت إعلان "بيت العنكبوت" عام 2000. بالنسبة للاحتلال، لم يكن الملعب مجرد منشأة، بل كان "المنصة" التي حطمت كبرياءه. لذا، حاول العدو طوال عقود الوصول إليه عبثًا لرفع علمه ومحو رمزية المكان، وعمد إلى تدميره وتسويته بالأرض انتقامًا من الهزيمة النفسية التي لحقت به هناك. لكن الميدان أثبت أن تدمير المنصة لا يلغي الحقيقة التي نُطقت فوقها، فظل الملعب شامخًا برمزيته، وعصيًا في استراتيجيته.
ميدان "العصف المأكول": تجليات الهشاشة
في خضم المعركة الحالية، لم تعد المواجهة مجرد اشتباك تقليدي، بل أضحت تجربة مكثفة لاستنزاف قدرات العدو:
عجز الحسم: جيش يحشد نخبة قواته، لكنه يعجز عن تحقيق اختراق حاسم في مدينة يعرف تضاريسها جيدًا.
سلاح الإرادة: استخدام المسيّرات الانقضاضية واستهداف القواعد القيادية خلف الخطوط، ما أفقد الخصم توازنه الذهني قبل الميداني.
ثبات الحاضنة: خلف الدخان والركام، يقف مجتمعٌ لم ينكسر، يُثبت أن آلة القتل عاجزة عن تطويع النفوس التي تؤمن بحقها في المقاومة.
بنت جبيل هي المختبر الزمني الذي يُثبت قانون الصراع: حين يفشل الردع في الحسم، يبدأ الانكشاف الشامل للكيان.
العقدة النفسية والاستراتيجية
تبقى بنت جبيل العقدة التي لا تجد لها المنظومة العسكرية "الإسرائيلية" حلًا. فهي المكان الذي كسر "الهيبة" قديمًا، وهي اليوم الساحة التي تُحطم "القدرة". إن العجز "الإسرائيلي" عن إنهاء المعركة في مدينة صغيرة، رغم التفوق الناري الهائل، يؤكد حقيقة واحدة يتردد صداها مع كل رشقة صاروخية وكل كمين محكم: إن الكيان الذي يقوم على فائض القوة لتعويض نقص الشرعية، يظلّ في جوهره أوهن من بيت العنكبوت.