مقالات مختارة
ريم الهاني - صحيفة الأخبار
تحوّلت الحرب بين واشنطن وطهران من عمليات إطلاق نار متبادلة إلى محاولة لفرض السيطرة على مضيق هرمز، في وقت يحذّر فيه خبراء من أن الأصول العسكرية الأميركية لن تكون قادرة، منفردة، على «استكمال» الحصار، وأن الرد الإيراني المحتمل قد يقوّض الخطط الأميركية سريعاً.
مع بدء الحصار الأميركي على مضيق هرمز، في أعقاب فشل مفاوضات إسلام آباد في بلورة اتفاق بين طهران وواشنطن، تحوّلت الحرب، خلال الهدنة الهشة، من تبادل الضربات الصاروخية إلى حملة مفتوحة تهدف إلى فرض سيطرة أحد الطرفَين على المضيق الحيوي. وبعد مرور أكثر من ستّة أسابيع على الحرب مع إيران من دون أيّ مخرج واضح، لجأ الرئيس دونالد ترامب إلى أداة مألوفة: الحصار النفطي، الذي من شأنه، نظرياً، عزل إيران عن التجارة العالمية، وحرمان البلاد من الواردات الأساسية، فضلاً عن عائدات تصدير النفط التي تعتمد عليها حكومتها، في سيناريو يعيد إلى الأذهان التكتيكات التي استخدمتها الإدارة الأميركية ضدّ فنزويلا وكوبا. على أنه، مرّة جديدة، اقترنت الخطوة الأميركية بتحذيرات من أن إيران لن تكون، في هذه المحطة أيضاً، فنزويلا أخرى.
وفي حين يرى بعض المحلّلين أن ترامب كان «محقاً» في محاولة «قلب الطاولة» على إيران، وأن الحرب على الأخيرة «تستحق» المجازفة بحصول مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، ولا سيما بعدما نجحت طهران في إلحاق ألم اقتصادي كبير ببقية العالم، وواصلت، في الوقت عينه، تصدير كميات كبيرة من النفط الخام وغيره من أصناف الوقود عبر المضيق، فإن ما يتخوّف منه العديد من المراقبين، حالياً، هو «الشكل» الذي قد يتّخذه الرد الإيراني، في حال استمرار إغلاق المضيق، جنباً إلى جنب مدى قدرة الولايات المتحدة على المضيّ قدماً في المهمّة المُشار إليها، من دون جرّ دول أخرى إلى الصراع في المنطقة.
وفي حين يحذّر خبراء من أن سعر النفط قد يرتفع إلى 150 دولاراً للبرميل في ظلّ الحصار الأميركي - علماً أن خام برنت قفز إلى 102 دولار الإثنين -، تمتلك إيران جملة من الأوراق للردّ على الحصار الأميركي، تشمل زرع مئات الألغام الإضافية في المضيق، وضرب القواعد الأميركية في المنطقة، وشنّ هجمات إلكترونية على الغرب، ربّما بمساعدة روسية، جنباً إلى جنب هجمات جديدة على البنية التحتية النفطية في دول الخليج والموانئ في المنطقة، وهو ما هدّدت طهران، بالفعل، بالقيام به.
وفي هذا السياق، تلفت وكالة «بلومبرغ» إلى أن اعتراض كلّ سفينة يتطلّب «مكوّناً بحرياً ضخماً»، أو وظيفة بدوام كامل لحاملة طائرات واحدة أو اثنتين، مع مساعدة حاملة طائرات برمائية كبيرة الحجم من مثل «يو إس إس تريبولي» أو «يو إس إس بوكسر»، جنباً إلى جنب شنّ مزيد من العمليات الجوية المحتملة من طائرات برية في القاعدة الأميركية بالقرب من الدوحة. وإذ يمتلك الجيش الأميركي الموارد والقدرات اللازمة لتنفيذ مثل هذا الحصار، بحسب ما تشير إليه صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن العديد من المسؤولين والمحلّلين الأميركيين الحاليين والسابقين يرون أن الحفاظ على السيطرة على الممرّ المائي قد يكون أكثر صعوبة بكثير.
ومن بين هؤلاء، يؤكد برايان كلارك، الضابط البحري المتقاعد والباحث الكبير في «معهد هدسون»، أنه «من المؤكد أن هذه الخطة تقع ضمن قدرة القوات الموجودة هناك على فرض الحصار»، مستدركاً بأنه «إذا بدأت إيران بإطلاق النار على تلك القدرات أو على الأشخاص الذين يقومون بتشغيل هذه الأنظمة، فمن الواضح أن الأمر سيصبح أكثر صعوبة، وسيكون علينا حمايتهم بالسفن».
وعلى الرغم من أن مسؤولين دفاعيين أميركيين حاليين وسابقين يرون أن الحصار من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة الوقت لإزالة الألغام وإنشاء ممرّ محميّ للشحن التجاري، فهم يحذّرون من أن أيّ هجمات إيرانية متجدّدة من شأنها أن تعقّد المهمّة بسرعة، ولا سيما أن الممرّ الضيق قريب من الساحل الإيراني، وأيّ عمليات هناك ستظلّ عرضة للألغام والطائرات المُسيّرة والقوارب الهجومية.
وبينما روّج ترامب مراراً لكون الجيش الأميركي «دمّر» البحرية الإيرانية، لا يزال «الحرس الثوري الإسلامي» يحتفظ بجزء كبير من أسطوله الواسع من الزوارق السريعة الذكية التي يستخدمها للسيطرة على المضيق. ويقول فرزين ناديمي، وهو زميل بارز متخصّص في الشؤون الإيرانية في «معهد واشنطن»، إن أكثر من 60% من تلك السفن الهجومية السريعة والقوارب السريعة «لا تزال سليمة وتستمرّ في تشكيل التهديد».
من جهته، يتبنى مارك مونتغومري، وهو أميرال بحري متقاعد وزميل في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، وجهة نظر أكثر تفاؤلاً، معتبراً أنه «يمكن إدارة هذا الجهد عسكرياً»، وأن «العملية يمكن أن تكون فعّالة حتى لو لم توقف القوات الأميركية كلّ سفينة، بل فقط ما يكفي من السفن (لإخافة القطيع)، ومشغّلي أسطول الظلّ الآخرين لزيادة الضغط الاقتصادي على إيران، التي تعتمد الآن بشكل كبير على تلك الشحنات»، إلا أنه ينوّه إلى عدم إمكانية قيام واشنطن بذلك «بمفردها».
وفي هذا الإطار، أعلن ترامب، الأحد، أن «العديد من الدول» ستساعد القوات الأميركية في فرض الحصار، فيما لا يزال من غير الواضح كيف سيبدو مثل هذا التحالف. وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين الأوروبيين والخليجيين أشاروا، سابقاً، إلى دعمهم لجهود متعدّدة الجنسيات لاستعادة حرية المرور عبر المضيق، فإن بعض الدول الرئيسة قالت إن ذلك «سيعتمد على وقف دائم لإطلاق النار وتفويض دولي».
من جهة أخرى، يشكّك بعض المراقبين في الاعتقاد بأن خنق قدرة إيران على تصدير نفطها الخام من شأنه أن «يضرب اقتصادها المتضرّر بالفعل»؛ إذ يرى هؤلاء أنه بعد نجاحها في شحن النفط الخام طوال فترة الصراع، فإن طهران تشعر بالارتياح بفضل الأرباح غير المتوقَّعة التي حقّقتها أخيراً، على الأقلّ في الأمد القريب. وهي تحتفظ، كذلك، بنفوذ قوي ضدّ الاقتصاد العالمي، نظراً إلى أنه في حال شعرت أنها محاصرة، فقد تلجأ إلى شلّ الخيارات الاحتياطية للخليج من خلال ضرب خطوط الأنابيب الالتفافية السعودية والإماراتية، في حين قد تلجأ «أنصار الله» في اليمن إلى إغلاق طريق الشحن الحيوي في باب المندب قبالة اليمن.
وفي حال استخدمت الولايات المتحدة المدمّرات لصدّ التهديدات الجوية الإيرانية لسفنها، وعلى الرغم من أن السفن الحربية تمتلك خبرة في مواجهة موجات الهجمات بالطائرات المُسيّرة والصواريخ، بعد تجربتها مع ضربات «أنصار الله» في البحر الأحمر العام الماضي، فإن جغرافية الخليج تبدو أكثر إحكاماً بكثير من نظيرتها في البحر الأحمر، وهي تتيح للسفن الحربية وقتاً أقلّ للردّ في حال أطلقت إيران النيران من شواطئ الجزر التي تسيطر عليها.
وبدلاً من الاستيلاء على ناقلات النفط في الشرق الأوسط، والذي قد يرهق القوات الأميركية المُنهَكة بالفعل بعد ستة أسابيع من الحرب، قد تنتظر الولايات المتحدة أيضاً دخول السفن مسطّحات مائية أخرى، خصوصاً أن «البنتاغون» أظهر استعداده لمطاردة الناقلات في المحيط الأطلسي والمحيط الهندي هذا العام، عندما سيطر على السفن التي فرّت من حصار ترامب إلى فنزويلا. وبالفعل، قال ترامب، في حديث إلى شبكة «فوكس نيوز»، الأحد، إن «الأمر سيكون مشابهاً جداً لذلك، ولكن على مستوى أعلى». لكنّ محلّلين من بنك «آر بي سي كابيتال ماركتس» كتبوا، في اليوم نفسه، أن حصار إيران من المُرجّح أن يكون أكثر صعوبة بكثير من فنزويلا، «ونتوقّع أن تزيد طهران هجماتها على منشآت الطاقة الإقليمية»، في حين تتزاحم أسئلة كثيرة حول مواقع وكيفية اعتراض السفن المرتبطة بإيران، ولا سيما في خضمّ غياب دعم حلفاء الولايات المتحدة لجهودها العسكرية.