اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي النائب فياض يحذر: أي استهداف أو اغتيال سيشكل خرقًا فاضحًا لقرار وقف النار 

مقالات

هرمز وأقدام أبطالِ بنت جبيل ستوقف الحرب على لبنان ولا شيء غير ذلك
مقالات

هرمز وأقدام أبطالِ بنت جبيل ستوقف الحرب على لبنان ولا شيء غير ذلك

184

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

خمسة عشر شهرًا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، والمشهد في لبنان واضح لكل من يريد أن يرى: مقاومة ملتزمة، وعدو يخرق يوميًا، ودولة تراقب، ثم تبرر.

خمسة عشر شهرًا من الاغتيالات والغارات والخروقات الجوية والبرية. خمسة عشر شهرًا لم تستطع فيها الحكومة أن تفعل الحد الأدنى من واجباتها السيادية: لا ردع، ولا حماية، ولا تقديم شكوى كما يجب، ولا حتى موقف حازم. بل على العكس، سمع اللبنانيون تبريرات تُحمِّل الضحية مسؤولية العدوان، وكأن المشكلة في سلاح هنا أو هناك، لا في عدو لم ينتظر يومًا ذريعة ليقتل.

وفي ذروة هذا العجز، قيل لنا إن أقصى ما يمكن فعله هو (الذهاب والبكاء لدى أميركا). عبارة تختصر نهجًا كاملًا من الارتهان، وتكشف حجم الفراغ السياسي الذي تُركت فيه البلاد.

ثم اندلعت الحرب، بدأتها المقاومة دون استشارة الحكومة، التي صنّفتها أنها خارجة عن القانون، لا بل طُلِب من الإعلام عدم استعمال كلمة (مقاومة) حتى. أكثر من ٤٥ يومًا من المواجهة لم تكن مجرد جولات قصف، بل اشتباكًا مفتوحًا أعاد رسم المشهد. وهنا، برزت بنت جبيل مرة جديدة.

بنت جبيل التي لم تكن مجرد بلدة حدودية، بل عنوانًا للصمود منذ عام ٢٠٠٠، حين أُطلقت مقولة (أوهن من بيت العنكبوت)، تلك العبارة التي بقيت كالشوكة في وعي العدو، يحاول كسرها في كل مواجهة، ويعود مكسورًا.

في هذه الجولة، كانت بنت جبيل هدفًا مركزيًا. لم يكن الأمر عسكريًا فقط، بل رمزيًا بامتياز. أراد نتنياهو صورة واحدة: رفع علمه هناك، إعلان (نصر) إعلامي يمحو ذاكرة الهزائم السابقة. ولهذا طلب من واشنطن مزيدًا من الوقت، مهلة إضافية لاقتحامها، ليحقق إنجازًا يقدّمه قبل أن ينفّذ ما يُطلب منه سياسيًا. فيما ترامب مأزوم في مضيق هرمز، الذي وضعت إيران فتحه مقابل وقف الحرب على لبنان، هذا الشرط الذي لم يجد له الجيش الأميركي أي علاج سوى إغلاق المُغلَق، لتقابله إيران بالتهديد بإغلاق باب المندب أيضًا.

نعود إلى بنت جبيل، فما جرى على الأرض كان عكس ما أراد نتنياهو.

في أحياء بنت جبيل، لم تكن المعركة تقليدية: التحام مباشر، قتال من مسافات صفر، إغارات، طائرات انقضاضية، مقاومون يظهرون من حيث لا يُتوقع، يضربون وينسحبون، يربكون وحدات النخبة، ويكسرون زخم التقدم. كل شارع كان كمينًا، كل زاوية احتمال اشتباك، وكل محاولة تقدم كانت مكلفة.

المدينة التي أرادها العدو منصة إعلان انتصاره، تحولت إلى ساحة استنزاف. لم تُكسر، بل كسرت الهجوم. لم تُحتل، بل ابتلعت محاولات الاحتلال.

وهنا، يتغير المشهد بالكامل.

ليس لأن الحكومة تحركت، ولا لأن الدبلوماسية اللبنانية فجأة اكتشفت أدوات ضغطها، بل لأن الميدان فرض معادلته، لأن كلفة الاستمرار ارتفعت، لأن الإقليم كله دخل على خط النار: مضيق هرمز مغلق، الاقتصاد العالمي تحت الضغط، وواشنطن أمام أزمة لا يمكن إدارتها بسهولة.

في هذا السياق فقط، يصبح وقف إطلاق النار ضرورة دولية، لا إنجازًا محليًا.

ومع ذلك، تخرج الحكومة لتقول إنها هي من ضغطت، وهي من أقنعت، وهي من فرضت وقف النار. الرواية نفسها التي سمعناها مرارًا، لكن هذه المرة أكثر هشاشة.

أي ضغط هذا؟ وأين كان طوال خمسة عشر شهرًا؟ ولماذا لم يظهر إلا بعد أن تغيّرت موازين القوى على الأرض، وبعد أن أصبحت المقاومة خارجة عن القانون، وبعد أن أظهرت أن لديها قدرات فاجأت الصديق قبل العدو؟

الحقيقة التي لا يمكن طمسها: من عجز عن حماية سماء وتراب بلده، لا يصنع قرار وقف حرب، ومن برر العدوان، لا يصبح فجأة من أوقفه، ومن قال إن أقصى فعله هو البكاء، لا يتحول إلى لاعب إقليمي بين ليلة وضحاها.

ما حدث ليس انتصار دبلوماسية، بل نتيجة صمود ميداني.

وما جرى في بنت جبيل ليس تفصيلًا، بل مفتاح الفهم: هناك سقط وهم (الصورة السهلة)، وسقط معه وهم القدرة على كسر الإرادة.

أما ما يُقال اليوم، فليس إلا محاولة متأخرة لركوب موجة لم يصنعوها. التاريخ لا يُكتب بالبيانات، بل بالوقائع. وفي هذه الوقائع، هناك من صمد وقاتل، وهناك من انتظر، ثم ادّعى.

الكلمات المفتاحية
مشاركة