مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس قيمة المفاوضات بعدد الجلسات التي تُعقد ولا بعدد الوسطاء الذين يتنقلون بين العواصم، بل بمقدار ما تستطيع أن تحققه من حماية للمصالح الوطنية وانتزاع للحقوق. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على الساحة اللبنانية: ما الفائدة التي يجنيها لبنان من الاستمرار في مسار تفاوضي مع "إسرائيل"، فيما تواصل الأخيرة عملياتها العسكرية من ارتكاب المجازر والإبادة العمرانية، وترفض وقف الاعتداءات، وتلوِّح بتوسيع دائرة الحرب، بل وتذهب إلى حد التهديد المتكرر بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، في وقت لا تبدي فيه استعدادًا للانسحاب من الأراضي اللبنانية التي دخلتها خلال الحرب؟
هذا السؤال لا ينبع من رفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، فالتفاوض يبقى جزءًا أساسيًا من إدارة الصراعات وإنهائها، لكنه ينبع من طبيعة الظروف التي تجري فيها المفاوضات. فمن المعروف في العلاقات الدولية أن التفاوض يكون أكثر فاعلية عندما يجلس الطرفان إلى الطاولة وهما يدركان أن استمرار الصراع مكلف لكليهما. أما عندما يشعر أحد الطرفين أنه قادر على مواصلة الضغط العسكري من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أو ميدانيًا مقابلًا، فإن المفاوضات تتحول تدريجيًا إلى أداة لفرض الشروط لا إلى وسيلة للوصول إلى تسوية متوازنة.
منذ بداية المواجهة الأخيرة، حاولت "إسرائيل" تقديم الحرب على أنها فرصة لإعادة رسم الواقع الأمني والسياسي في جنوب لبنان. وتدرجت أهدافها المعلنة من إبعاد التهديد عن المستوطنات الشمالية إلى الحديث عن مناطق عازلة وترتيبات أمنية جديدة، وصولًا إلى طرح تصورات تتجاوز بكثير ما نصت عليه التفاهمات والقرارات الدولية السابقة. وفي المقابل، تعرض لبنان لدمار واسع طال البنية التحتية والمنازل والمؤسسات المدنية، فيما دفعت القرى الحدودية ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائها ومن استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
لكن رغم هذا الحجم الكبير من القوة النارية المستخدمة، ورغم التفوق الجوي والتكنولوجي "الإسرائيلي"، فإن المشهد لم ينتهِ بحسم عسكري كما كانت تأمل تل أبيب. فالمقاومة استمرت في القتال، واحتفظت بقدراتها العملياتية، وأثبتت أن السيطرة النارية لا تعني بالضرورة السيطرة السياسية أو الميدانية. وقد أظهرت تجارب الصراع الممتدة منذ عقود أن قدرة أي قوة عسكرية على التوغل أو التدمير لا تكفي وحدها لفرض نتائج سياسية نهائية إذا بقي الطرف المقابل قادرًا على الصمود والاستمرار في المواجهة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فبينما تتصرف "إسرائيل" في كثير من الأحيان وكأنها تفاوض من موقع المنتصر المطلق، فإن الواقع الميداني والسياسي يؤكد أنها لم تحقق أهدافها التي دفعتها إلى الحرب، سوى أنها مارست إبادة عمرانية واسعة. فلو كانت قد نجحت فعلًا في إنهاء قدرة المقاومة على التأثير، لما بقيت الحاجة إلى المطالبة بضمانات أمنية إضافية، ولما استمر القلق "الإسرائيلي" من أي عودة للمواجهة في المستقبل. إن استمرار الحديث "الإسرائيلي" عن التهديدات القادمة يكشف، بصورة أو بأخرى، أن المشكلة التي سعت الحرب إلى حلها لم تُحلّ بعد.
في المقابل، يُطرح سؤال مشروع: ألم يكن الأجدى بلبنان أن يرفض العودة إلى التفاوض قبل وقف كامل لإطلاق النار ووقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية؟ من الناحية المبدئية، تبدو هذه الحجة واقعية ومنطقية، لأن أي تفاوض يجري تحت ضغط القصف والتهديد العسكري يمنح الطرف الأقوى هامشًا أوسع لفرض شروطه. كما أن استمرار العمليات العسكرية أثناء التفاوض يبعث برسالة مفادها أن القوة لا تزال هي اللغة الأساسية المستخدمة على الأرض.
إلا أن المقاربة المقابلة ترى أن الانسحاب الكامل من المسار التفاوضي قد يحمل مخاطر أخرى. فغياب أي قناة سياسية أو دبلوماسية قد يترك الميدان وحده ساحة للصراع، ويمنح "إسرائيل" حرية أوسع لتسويق روايتها أمام المجتمع الدولي. لذلك فإن المعضلة ليست في وجود المفاوضات أو غيابها، بل في كيفية إدارتها وفي الخطوط الحمراء التي يتمسك بها لبنان خلال هذا المسار.
فالتاريخ الحديث للصراع العربي-"الإسرائيلي" يقدم درسًا واضحًا: لا توجد مفاوضات ناجحة من دون أوراق قوة. وهذه الأوراق لا تكون دائمًا عسكرية فقط، بل قد تكون سياسية أو قانونية أو دبلوماسية أو مرتبطة بالرأي العام الدولي. غير أن العامل الميداني يبقى أساسيًا في أي نزاع من هذا النوع. فحين يشعر الخصم بأن كلفة استمرار المواجهة مرتفعة، يصبح أكثر استعدادًا لتقديم التنازلات أو البحث عن حلول وسط.
من هذه الزاوية، فإن قدرة المقاومة على الصمود طوال مراحل الحرب، وعلى الاستمرار في التأثير الميداني رغم حجم الضربات التي تعرضت لها، تشكل أحد عناصر القوة اللبنانية في أي مفاوضات قائمة أو مستقبلية، التي يجب أن تستغلها السلطة السياسية في مفاوضاتها. فالمفاوض اللبناني لا يستند فقط إلى النصوص القانونية والقرارات الدولية، بل يستند أيضًا إلى حقيقة أن "إسرائيل"، رغم ما تمتلكه من قدرات عسكرية هائلة، لم تتمكن من فرض واقع نهائي ومستقر بالقوة وحدها.
أما "إسرائيل"، فتبدو اليوم وكأنها تسعى إلى الجمع بين التفاوض والضغط العسكري في آن واحد. فهي تريد من جهة الحصول على ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد، ومن جهة أخرى تستمر في استخدام التهديد والضربات العسكرية كورقة ضغط على لبنان. وتندرج ضمن هذا السياق التهديدات المتكررة باستهداف الضاحية الجنوبية أو توسيع نطاق العمليات، وهي تهديدات تهدف إلى خلق مناخ نفسي وسياسي يدفع الجانب اللبناني إلى تقديم تنازلات إضافية.
غير أن التجارب السابقة أثبتت أن سياسة الضغط القصوى لا تؤدي إلى النتائج التي تتوقعها "إسرائيل". فالحروب المتعاقبة على لبنان، رغم ما خلفته من دمار ومآسٍ إنسانية، لم تنجح في إنهاء الصراع أو فرض استسلام سياسي. بل إن كل مواجهة كانت تنتهي في نهاية المطاف بعودة السياسة إلى الواجهة، وبإقرار ضمني بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم.
إن التحدي الحقيقي أمام لبنان اليوم لا يكمن في مجرد المشاركة أو عدم المشاركة في المفاوضات، بل في كيفية تحويل صمود الأرض والناس والمقاومة إلى عناصر قوة سياسية تحفظ السيادة والحقوق الوطنية. فالتفاوض ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة. وإذا لم يؤدِّ إلى وقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، وإنهاء الاحتلال، وضمان الأمن والاستقرار، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من مبرراته.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع المفاوضات الحالية أن تفرض على "إسرائيل" احترام قواعد القانون الدولي والانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف سياسة التهديد والقصف؟ أم أنها ستتحول إلى مجرد إطار لإدارة أزمة مفتوحة؟ الإجابة لن تحددها التصريحات السياسية وحدها، بل ستحددها موازين القوى على الأرض، ومدى قدرة لبنان على التمسك بحقوقه الوطنية، ومدى اقتناع "إسرائيل" بأن استمرار الحرب لن يمنحها ما عجزت عن تحقيقه حتى الآن.