نقاط على الحروف
عندما نتحدث عن قضية الأسرى تتلاشى كلُّ الكلمات؛ فهم ليسوا مجرد عناوين في نشرات الأخبار، ولا أرقاماً تُحصى في سجلات الصليب الأحمر الدولي، بل هم نبض الوطن المخبوء خلف جدران الصمت، والذين دفعوا من أعمارهم وسنوات شبابهم ضريبة الكرامة ليبقى هذا البلد عزيزاً وحراً.
في زنازين العدو، حيث تتدلى الرطوبة من السقوف وتتآكل الأجساد بفعل التعذيب الممنهج والإهمال، يسطر أبطالنا ملحمة ثبات يومية تُثبت أن الإرادة الإنسانية عندما تتسلح بالإيمان تظل عصيةً على الكسر والتفتيت، وأن السجان مهما أمعن في غطرسته يظل ضعيفاً ومهزوماً أمام نظرة التحدي في عيون المكبّلين بالحديد.
إن قراءة تاريخ الصراع مع هذا العدو الصهيوني تفرض علينا تفكيك محطاته بعين واعية وقراءة عميقة للميدان، لنكتشف كيف تُصنع الانتصارات الكبرى وكيف تولد من رحم الخيبات والتحديات؛ وفي هذا السياق يبرز جلياً أنّ التأسيس لانتصار تمّوز عام ٢٠٠٦ بدأ منذ لحظة الإفراج عن الأسرى اللبنانيين عام ٢٠٠٤، باستثناء الشّهيد سمير القنطار.
في تلك المحطة التاريخية، نجحت المقاومة في فرض شروطها وانتزاع حرية العشرات من أبطالها، لكن بقاء عميد الأسرى الشهيد سمير القنطار في الأسر لم يكن مجرد غصة عابرة في احتفالات النصر، بل تحول في وعي القيادة والمقاومين إلى دينٍ مستحق وتكليفٍ مقدس. لم تقبل المقاومة بنصف نصر ولا بنصف حرية، فكان ذلك الاستثناء هو الشرارة الحقيقية والوقود الفعلي الذي غذَّى العقول والسواعد لصياغة عملية "الوعد الصادق"؛ لقد كان الإعداد ليوم الثاني عشر من تموز ٢٠٠٦ يُطبخ على نار الشوق لسمير القنطار ولكل أسير بقي خلف القضبان، فجاء أسر الجنديين الصهيونيين ليؤكد للعالم أجمع أن لبنان لا يترك رجاله في غياهب النسيان، وليفتح الباب على ملحمة تموز الخالدة التي أعادت رسم توازنات الردع في المنطقة بأسرها وصنعت نصراً إلهياً وتاريخياً غير مسبوق.
إن الأيام تدور وتتغير المعطيات السياسية والميدانية، لكن الثوابت تظل راسخة كالجبال لا تحركها العواصف؛ واستذكارُ القنطار اليوم، والذي أُفرِج عنه بعد ثلاثين عاماً من الأسر والتضحيات، هو تذكيرٌ بمظلومية الأسرى اللبنانيين في سجون العدو، وتأكيدٌ على أنّ هناك مقاومةً لا تنسى أسراها في السجون ولو بعد حين.
ثلاثون عاماً من القيد لم تزد سمير القنطار إلا صلابةً، وعندما خرج شامخاً إلى شمس الحرية لم يختر الراحة، بل عاد فوراً إلى الثغور وخطوط المواجهة حتى ارتقى شهيداً على طريق القدس، ليؤكد بدمه أن الحرية والشهادة صنوان لا يفترقان. هذا الاستذكار لعميد الأسرى ليس مجرد بكاء على الماضي أو استعراض لبطولات خلت، بل هو جرس إنذار يُقرع في وجدان الأمة ليعيد تسليط الضوء على الأسرى اللبنانيين والمقاومين الذين يواجهون اليوم في غياهب المعتقلات الصهيونية أبشع أنواع التنكيل والتغييب القسري، بعيداً عن أعين المنظمات الدولية التي تدعي حماية حقوق الإنسان بينما تصم آذانها وتغلق عيونها أمام همجية هذا الاحتلال.
إن قضية الأسرى في فكر المقاومة وثقافتها هي التزام عقائدي يتجاوز الحسابات السياسية أو التكتيكية، وحين يعلم الأسير القابع في زنزانته الضيقة والمعزولة أن خلفه مقاومة تضع حريته على رأس أولوياتها، وتستعد للتضحية بخيرة رجالها وبخوض مواجهات كبرى من أجل كسر قيده، فإنه يواجه جلاده بقلب جسور وعين لا ترمش. هذا الترابط العضوي بين صمود الأسير في معتقله وبندقية المقاوم في الميدان هو السد المنيع الذي تتحطم عليه كل محاولات الاحتلال لكسر معنويات بيئة المقاومة أو بث اليأس في نفوس أهالي المعتقلين.
إن عهدنا للأسرى هو عهد الأحرار للأحرار، ووعد الدم للدم، وكما تحطمت جدران السجون في الماضي بفضل تضحيات المقاومين وصدق عهدهم، فإننا على يقين تام بأن الفجر القادم سيحمل حتماً بشائر الحرية لكل من يقبع اليوم خلف القضبان، لتظل رايتهم خفّاقةً وعنواناً لسيادة كاملة لا ترتضي النقصان، ونصراً آتياً لا محالة بقوة الحق وعزيمة الرجال.