مقالات مختارة
فؤاد بزي- صحيفة "الأخبار"
بعد أسبوع على «الأربعاء الأسود»، تبيّن أنّ «العملية الأمنية الدقيقة»، أو «البايجر 2»، ما هي إلا مجازر استهدفت مدنيين، لغرض الترويع والإرهاب
في 10 دقائق فقط، شنّت آلة القتل الإسرائيلية 160 غارة، استهدفت أحياء متفرّقة في بيروت، من كورنيش المزرعة وبربور إلى المنارة والبسطة وعين المريسة وتلة الخياط ومار الياس، بالتوازي مع قصف طاول الضاحية الجنوبية والجبل وصيدا والبقاع والهرمل. بعد أسبوع على «الأربعاء الأسود» في 8 نيسان 2026، تبدو الرواية الإسرائيلية عن «عملية أمنية دقيقة» أقل قدرة على الصمود أمام حصيلة الضحايا وطبيعة الأهداف: 303 شهداء و1150 جريحاً، ومواقع مدنية شملت صيدليات ومستودعات إغاثة ومراكز خدمات للنازحين، فضلاً عن الأبنية السكنية التي يؤكّد قاطنوها أنّ شققها عبارة عن منازل يسكنها مدنيون، ولا تحتوي على مراكز عسكرية. بهذا المعنى، لم يكن المطلوب فقط إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر، بل ضرب الإحساس بالأمان نفسه، ودفع اللبنانيين إلى الاقتناع بأنّ الحرب قادرة على الوصول إلى أي شارع، وأي بناية، وأي عائلة. هكذا، يصبح الترويج الإسرائيلي لفكرة «العملية الدقيقة» جزءاً من المعركة نفسها: غطاء دعائي لمجزرة، ومحاولة لتحويل الرعب الجماعي إلى إنجاز أمني مزعوم
ما جرى يوم «الأربعاء الأسود» لم يكن نجاحاً استخباراتياً بقدر ما كان محاولة لترسيخ رسالة واحدة: «لا مكان آمناً في لبنان». هوية الضحايا وطبيعة الأماكن المُستهدفة، فضحتا بما لا يقبل الشك، ادّعاء العدو بأنها كانت «عملية أمنية دقيقة»، تشبه «عملية البايجر»، وأثبتتا أنها لم تكن سوى ذريعة لترويع الآمنين في بيروت.
وفقاً لوزارة الصحة، سقط 12% من الشهداء و22% من الجرحى في بيروت، فيما استشهد 48.5% من إجمالي الشهداء في الضاحية الجنوبية وكيفون، ما يشير إلى أن الاكتظاظ الكبير في منطقة حي السلم وتأخر وصول الإسعافات، ساهما في ارتفاع أعداد الضحايا. ولفهم مدى فظاعة المجزرة، بلغت نسبة ضحايا «الأربعاء الأسود» 20% من إجمالي عدد شهداء العدوان الإسرائيلي، ما يعني أنّ خُمس الذين قتلتهم إسرائيل في حربها منذ 2 آذار الفائت حتى أمس قُتلوا في يوم واحد.
الغارات في العاصمة بيروت، والتي برّرها رئيس الحكومة نواف سلام بأنّها استهدفت مخازن أسلحة، كان ضحاياها من المدنيين، وأدّت إلى مسح عائلات بأكملها من السجلّات. ففي عين المريسة، قُتلت عائلة مكوّنة من أب وأم وابنتهما، وفي مار الياس قُتلت أم واثنان من أبنائها. وفي الهرمل، قُتل ستة أشخاص من عائلة واحدة.
أمّا الأماكن المُستهدفة، فهي عبارة عن مراكز إدارة نزوح أو مخازن لمواد أساسية مُخصّصة للتوزيع على النازحين أو مواقع لفرق إسعاف أو مجرّد مبان مدنية. مثلاً، استهدف جيش العدو في كورنيش المزرعة مخزناً للمساعدات المُخصّصة للتوزيع على النازحين مثل الفرش والبطانيات والأطعمة المُعلّبة، وقصف في الهرمل مركزاً للهيئة الصحية الإسلامية، ما أدّى إلى استشهاد ثلاثة مسعفين.
في الأبنية المحيطة بالمستودع المُستهدف في كورنيش المزرعة، لا يتحدّث السكان عن أي حركة عسكرية سبقت الغارة، بل عن يوم عادي انقلب في دقائق إلى مشهد من الحريق والغبار والزجاج المتطاير. بعضهم كان يظن أن الاستهداف الأول انتهى، قبل أن تتوالى الصواريخ على الحي المكتظّ، التي أوقعت ضحايا من السكان والمدنيين.
وبحسب مصادر «الأخبار»، اشتعلت النيران في هذا المكان تحديداً بسبب وجود قرابة 50 عبوة غاز كانت مُخصّصة للتوزيع على العائلات النازحة. وفي الجهة المقابلة للمستودع المُستهدف، والذي لا يزال يتصاعد الدخان منه، استُهدفت شقة فارغة في الطابق الثاني، يؤكّد عدد من القاطنين في المبنى أنّها لم تكن مسكونة، وأن صاحبها كان يعيد تأهيلها. أربعة صواريخ استهدفت هذا الحي، حيث دُمّر المستودع، والشقة، وأصيبت ثمانية أبنية بأضرار جسيمة، واستشهد سبعة أشخاص وجُرح 43 آخرون، لا يوجد بينهم عسكريون أو قادة في المقاومة، كما زعم الاحتلال.