اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ... النائب فضل الله يتفقد أضرار الضاحية الجنوبية

مقالات

وثيقة استسلام أم ارتهان؟
مقالات

وثيقة استسلام أم ارتهان؟

108

يمثل النص المسرّب لما يوصف باتفاق وقف إطلاق النار بين السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال، والذي جرى نسجه في الغرف الأميركية المظلمة، لحظة كشف كبرى تتجاوز في خطورتها كل الاتفاقيات الأمنية السابقة. فنحن هنا لا نقرأ مجرد بنود تقنية لترتيب وضع الحدود أو إنهاء الاشتباك الميداني، بل نحن أمام وثيقة سياسية وأمنية شاملة تؤسس لصياغة صك انتداب حديث، يهدف في جوهره إلى إخضاع القرار الرسمي اللبناني وتحويله إلى جزء من منظومة حماية مصالح الاحتلال الصهيوني. 

إن القراءة المتأنية لهذه الورقة تكشف عن روح انكسارية طغت على صياغتها، حيث تسعى واشنطن من خلالها إلى هندسة واقع جديد يتم فيه استبدال مفهوم الدولة الحامية للسيادة بمفهوم الوكيل الأمني الذي يراقب شعبه ومقاومته لحساب العدو.

لقد قامت المقاربة الرسمية اللبنانية طوال الأشهر الماضية على استراتيجية التعمية الممنهجة وتغييب الحقائق عن الرأي العام، وهي سياسة تسببت في هدر دماء اللبنانيين ودمار قراهم وتهجير أهلها دون ضمانات حقيقية. وتأتي هذه المسودة اليوم لتكون بمثابة الإعلان الصريح عن مشروع تصفية الهوية الوطنية والمقاومة؛ فالبند الذي يعطي الاحتلال الحق في القيام بعمليات عسكرية تحت ذريعة الدفاع عن النفس لمواجهة ما يسميه تهديدات وشيكة، ليس إلا رخصة مفتوحة للقتل واستباحة دائمة للأجواء والأرض. إن هذا المصطلح الفضفاض كان هو الغطاء الشرعي الذي استخدمه العدو لارتكاب أفظع المجازر وحروب الإبادة في المنطقة، وقبول أي طرف لبناني بهذا النص يعني منح جيش الاحتلال السلطة العليا لتقرير مصير اللبنانيين واستهدافهم متى يشاء، دون أن يترتب عليه أي التزام فعلي بوقف دائم لإطلاق النار أو احترام للسيادة الوطنية.

إن هذا الاتفاق المهرّب يسعى بوقاحة إلى محاصرة مصادر القوة التي يحتمي بها لبنان، والالتفاف على التوازنات الإقليمية التي ترفض الخضوع للإرادة الأميركية. فالمحور المعادي يدرك تمامًا أن القوة العسكرية الصرفة لم ولن تنجح في تحطيم إرادة الصمود الشعبي، ولذلك يهرب اليوم نحو صياغة واقع سياسي يحول المؤسسات الرسمية إلى أدوات لتفريغ الانتصارات الميدانية من محتواها. وعندما تنص الوثيقة على أن القوى الأمنية هي المسؤول الحصري عن الأمن والسيادة، فإن الهدف ليس تقوية الدولة، بل هو فخ يرمي إلى تجريد المجتمع من عناصر قوته، ووضع القوى العسكرية والأمنية اللبنانية في مواجهة صدامية مع بيئتها الوطنية الحاضنة، لتصبح مهمتها الأساسية هي ضمان أمن المستوطنات وحماية حدود الكيان من أي رد فعل وطني.

على السلطة اللبنانية، وتحديدًا تلك الدوائر التي انخرطت في هذه المفاوضات المهينة، أن تعي أن لبنان لن يكون مجرد ملحق أمني لكيان يمارس الإبادة الجماعية على مرأى من العالم، وأن السعي لبناء تحالف أمني ارتهاني مع القاتل هو فعل انتحار سياسي وأخلاقي ستكون له عواقب وخيمة. فالمقاومة التي تستمد وجودها من إيمان الناس وحقهم في الدفاع عن أرضهم لا تعترف بخرائط الطريق التي تضعها واشنطن و"تل أبيب"، وسيبقى الميدان هو الحكم، والرد على العدوان هو القانون الوحيد الذي لا تبطله الأوراق المسرّبة. إننا نطالب الحكومة اللبنانية بالخروج من دائرة الغموض ومصارحة الناس بحقيقة ما تم التوقيع عليه، فدماء الشهداء وركام المنازل لا تحتمل مزيدًا من المناورات السياسية التي تتم على حساب الكرامة الوطنية.

إن لبنان اليوم يقف على حد السكين أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما التمسك بمنطق الدولة القوية التي ترفض التنازل عن حقوقها وتفاوض من موقع الندية والقدرة، مستندة إلى إنجازات المقاومة وصمود الشعب، وإما السقوط في هاوية التبعية المطلقة والتحول إلى سلطة وصاية وظيفتها الأساسية هي إدارة مصالح المحتل وقمع الأصوات الحرة. وهذا المسار الأخير هو الوصفة الأكيدة للفوضى والدمار الذي يتمناه العدو لتمزيق النسيج الداخلي اللبناني، والرهان يظل قائمًا على وعي اللبنانيين لرفض هذا المشروع الاستسلامي والتمسك بالثوابت التي تحفظ الأرض والسيادة، وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة خلفية لتجارب الأمن الصهيوني، فالسيادة ليست منحة دولية، بل هي إرادة تفرض في الميدان وتصان بالتلاحم الشعبي والوطني.

في نهاية المطاف، لا يمكن تجاهل أن من يفاوض اليوم هو بنيامين نتنياهو، المجرم الملاحق دوليًا بتهم ارتكاب فظائع ضد الإنسانية. فكيف يمكن لمن يحمل أمانة تمثيل اللبنانيين أن يقبل بصياغة تفاهمات مع قاتل الأطفال والنساء؟ إن الهرولة نحو هذا الاتفاق تحت وطأة التهديد والتهجير هي طعنة في ظهر التاريخ اللبناني وتفريط في حقوق الأجيال التي لن تقبل العيش في ظل نظام أمني يحركه الاحتلال. إن التاريخ سيسجل أسماء كل من فرّط أو ساوم، ولن تنفع حينها التبريرات الدبلوماسية في غسل عار التوقيع على صك العبودية الجديد الذي يراد له أن يحكم مستقبل لبنان ومقدراته.

الكلمات المفتاحية
مشاركة